دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨ - في امتناع جعل حجيّة القطع
و لا يخفى: أن ذلك (١) لا يكون بجعل جاعل؛ لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشيء و لوازمه؛ بل عرضا يتبع جعله بسيطا.
في امتناع جعل حجيّة القطع
(١) أي: وجوب العمل على وفق القطع: لا يكون بجعل جاعل ...» الخ. و المقصود من هذه العبارة: إثبات امتناع جعل حجية القطع إثباتا و نفيا.
توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: إن الجعل على قسمين:
أحدهما: هو الجعل البسيط.
و ثانيهما: هو الجعل المركب و التأليفي.
و الفرق بينهما: أن الأول: هو الإيجاد بمفاد «كان» التامة، فمعنى جعل شيء: هو إيجاده و الثاني: هو الإيجاد بمفاد «كان» الناقصة بمعنى جعل شيء لشيء.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن القطع و إن كان مجعولا بالجعل البسيط ضرورة:
كونه حادثا لا قديما إلا إن الجعل البسيط ليس موردا للبحث، و إنما الكلام في الجعل التأليفي أعني: جعل الحجية للقطع، و لا يتحقق ذلك إلا في الأعراض المفارقة و المحمولات غير الضرورية؛ كجعل زيد عالما، و جعل جسم أبيض، و لا يتصور في اللوازم الذاتية و المحمولات الضرورية؛ إذ لا يعقل الجعل التركيبي بين الشيء و لوازمه الذاتية كالنار و الإحراق و الأربعة و الزوجية، و قد عرفت: أن حجية القطع كانت من لوازمه الذاتية، فلا تكون بجعل جاعل لا إثباتا و لا نفيا؛ لما عرفت من: أن ثبوت لازم الشيء له ضروري، و سلبه عنه مستحيل.
و من هنا يظهر امتناع المنع عن حجيّة القطع؛ و ذلك لاستحالة المنع عن الأثر الذاتي و هو معنى قولهم: القطع حجة بنفسه لا تناله يد الجعل لا نفيا و لا إثباتا.
ثم إن تأثير القطع في تنجّز التكليف به عند الإصابة و عذريته عند الخطأ عن قصور حيث كان لازما ذاتيا له صحّ أن يقال: إن القطع حجة ذاتا.
و حيث إن الأثر مما يدركه بنفسه أو يحكم بنفسه بلزوم ترتبه على المقطوع، من غير حاجة تصريح الشرع به صح أن يقال: إن القطع حجة عقلا، في قبال الأمارات الظنية المنصوبة من قبل الشارع كخبر الثقة و نحوه مما لا يدرك العقل حجيّته بنفسه و إنما هو صار حجة بجعل الشارع الحجيّة له جعلا تأليفيا.
نعم؛ يكون جعل اللازم بالعرض و المجاز و بتبع جعل ملزومه؛ كما أشار إليه بقوله: «بل عرضا بتبع جعله بسيطا».