دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٠٨ - الاستدلال على حجيّة قول اللغوي بوجوه
و المتيقن من ذلك: إنما هو فيما إذا كان الرجوع يوجب الوثوق و الاطمئنان و لا يكاد يحصل من قول اللغوي بالأوضاع، بل لا يكون اللغوي من أهل خبرة ذلك؛ بل إنما هو من أهل خبرة موارد الاستعمال، بداهة (١): أن همّه ضبط موارده، لا تعيين أن أيا منها كان اللفظ فيه حقيقة أو مجازا، و إلا لوضعوا لذلك (٢) علامة، و ليس ذكره أولا علامة كون اللفظ حقيقة فيه للانتقاض بالمشترك.
و الإيراد الثاني: ما أشار إليه بقوله: «بل لا يكون اللغوي من أهل الخبرة».
و حاصله:- أنه لو سلمنا حجية قول أهل الخبرة- أن الرجوع إلى قول اللغوي أجنبي عن الرجوع إلى أهل الخبرة، ضرورة: أن اللغوي ليس من أهل الخبرة بالأوضاع؛ بل شأنه ضبط موارد الاستعمال لا تعيين حقائقها و مجازاتها، فاللغوي خبير بموارد الاستعمال، من دون أن يميز الحقائق عن المجازات، فلا يكون اللغوي «من أهل خبرة ذلك» أي:
الأوضاع.
و كان الأولى أن يقال: من أهل الخبرة بها، كما كان الأولى تقديم هذا الإيراد الثاني على الأول؛ بأن يقال: «ليس اللغوي من أهل الخبرة أولا، و لم يقم دليل على اعتبار قوله- بعد تسليم كونه من أهل الخبرة- ثانيا».
(١) تعليل لعدم كون اللغوي من أهل الخبرة بالأوضاع.
(٢) أي: لتعيين الحقيقة من المجاز علامة.
غرض المصنف من هذا الكلام: هو إثبات عدم كون اللغوي خبيرا بالأوضاع؛ إذ لو كان خبيرا بكل من المعاني الحقيقية و المجازية لكان اللازم وضع علامة لتشخيص الحقائق عن المجازات، و عدم وضعها له دليل على عدم اطلاعه على الأوضاع.
إن: قلت لعل ذكر المعنى أولا علامة الحقيقة.
قلت: «ليس ذكره أولا علامة كون اللفظ حقيقة فيه».
و حاصل الكلام: أن قوله: «ليس ذكره ...» الخ. إشارة إلى دفع وهم، فلا بد أولا من توضيح الوهم، و ثانيا من توضيح الدفع.
أما الوهم: فهو أن اللفظ إذا كان له معنى حقيقي و مجازي، فما يذكره اللغوي أولا هو المعنى الحقيقي، فتقديم أحد المعنيين أو المعاني بالذكر علامة كونه هو المعنى الحقيقي.
و أما الدفع: فهو أن ذكر أحد المعاني أولا ليس علامة كون اللفظ حقيقة فيه و مجازا في سائر المعاني؛ لانتقاضه بالمشترك؛ إذ من المسلم: أن جميع المعاني المذكورة له قد وضع بإزائها اللفظ، فلو كان المذكور أولا هو المعنى الحقيقي: لزم أن يكون ما عداه من