دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٧٢ - في الوجه الثالث من الوجوه العقلية
فهناك صغرى و كبرى.
أما الصغرى: فلأن مخالفة التكليف تستلزم العقوبة كما تستلزم الوقوع في المفسدة، بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.
فالظن بالتكليف ملازم للظن بالعقوبة و المفسدة في مخالفته.
و أما الكبرى: فحكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون، و حكمه بذلك لا يستند إلى حكمه بالحسن و القبح؛ بل مع إنكار التحسين و التقبيح العقليين يلتزم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون؛ إذ لا ينكر الأشعري المنكر للحسن و القبح بأن العقل لا يقدم على مظنون الضرر؛ بل يدفع الضرر المظنون.
و كيف كان؛ فقد استقل العقل بلزوم دفع الضرر المظنون، سواء قلنا بالحسن و القبح العقليين أم لم نقل.
٢- و قد أجاب المصنف عن هذا الوجه: بمنع الصغرى فقال: إن الظن بالتكليف لا يستلزم الظن بالضرر على مخالفته، سواء كان المراد بالضرر الضرر الأخروي- العقوبة- أو الدنيوي- المفسدة أو فوات المصلحة-.
و أما العقوبة: فلأنها لا تترتب على مجرد مخالفة التكليف الواقعي؛ بل هي تترتب على المعصية، و هي لا تتحقق إلا إذا كان التكليف منجزا عقلا؛ إذ لو لا تنجز التكليف لما كان الظن بالتكليف ملازما للظن بالعقوبة على مخالفته.
اللهم إلا أن يقال: إن العقل كما لا يستقل بتنجز التكليف بمجرد الظن به لا يستقل بعدم العقاب على مخالفته أيضا، فتكون العقوبة محتملة، فيكون المورد من موارد دفع الضرر المشكوك المحتمل، و دعوى لزوم دفعه عقلا قريبة جدا.
و أمّا للمفسدة فلوجهين:
أحدهما: إنكار لزوم تبعية الأحكام للمصالح أو المفاسد في متعلقاتها؛ بل يمكن أن تكون تابعة للمصالح فيها، و هي تستوفى بمجرد الجعل.
و ثانيهما: أن التكليف إنما ينشأ عن مصلحة أو مفسدة نوعية في متعلقه لا شخصية، و لذا كان بعض الواجبات يستلزم أضرارا شخصية كالزكاة و الجهاد، كما أن بعض المحرمات يستلزم منافع شخصية كالقمار و السرقة و الغصب.
٣- الوجه الثاني: أنه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح عقلا.