دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٤ - ٣- حاصل كلام المصنف في التجري
و قبل الخوض في البحث ينبغي بيان الفرق بين التجري و المعصية، و بين الانقياد و الطاعة.
و خلاصة الفرق: أن التجري هو مخالفة القطع غير المصادف للواقع، و المعصية مخالفة القطع المصادف للواقع، و كذلك الإطاعة موافقة القطع المصادف للواقع، و الانقياد موافقة القطع غير المصادف للواقع.
٢- جهات بحث التجري: و هي ثلاث:
الأولى: أصولية حيث يبحث فيه عن أن التجري هل يوجب قبح الفعل المتجرى به فيترتب عليه الحكم بالحرمة، فيقع في طريق استنباط الحكم الشرعي.
الثانية: كلامية. حيث يبحث فيه عن استحقاق المتجرى للعقاب و عدم استحقاقه له.
الثالثة: فقهية حيث يبحث عن حرمة الفعل المتجرى به و عدمها.
٣- حاصل كلام المصنف في التجري:
أنه يوجب استحقاق العقاب لانطباق عنوان الطغيان و التمرد عليه، فلا فرق بين المعصية و التجري في استحقاق العقوبة، و لازم ذلك: حجّية القطع و إن كان مخالفا للواقع، فيكون قبح التجري فعليا لا فاعليا؛ كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، و الدليل على استحقاق عقاب المتجري: هو الوجدان، فإنه يشهد بصحة المؤاخذة على العزم على المخالفة، و عدم صحتها على مجرد سوء السريرة.
ثم التجري لا يغير ما عليه الفعل المتجرى به واقعا من الحكم و الصفة؛ إذ ليس القطع من الوجوه و الاعتبارات الموجبة للحسن و القبح عقلا.
هذا مع أن الفعل المتجرى به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا، و الموجب للحسن و القبح لا يصح أن يكون إلا من الأمور الاختيارية.
٤- و توهّم: عدم استحقاق العقوبة على الفعل المتجري به بما هو مقطوع الحرمة؛ لكونه غير اختياري، فينافي العقاب لما تقدم من كون المتجري مستحقا للعقوبة مدفوع:
بأنّ العقاب إنما هو على قصد المخالفة و الطغيان؛ لا على نفس الفعل المتجرى به.
٥- و توهّم: أن القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار و هي غير اختيارية، فيلزم أن يكون العقاب على العزم و القصد عقابا على أمر غير اختياري و هو باطل عند العدلية مدفوع بأحد وجهين:
الأول: أن بعض مبادئ الاختيار- كالقصد و العزم- يكون اختياريا فيصح أن يعاقب عليه.