دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١ - مراتب الحكم و ترتّب استحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الفعلي
ربما يوجب موافقته استحقاق المثوبة؛ و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي، و لا مخالفته عن عمد بعصيان؛ بل كان (١) مما سكت الله عنه، كما في الخبر، فلاحظ و تدبر.
نعم؛ في كونه (٢) بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل إشكال لزوم
و على هذا: فالقطع لا يكون موضوعا للأثرين المذكورين- و هما- وجوب العمل على طبقه و كونه منجّزا للتكليف إلا إذا تعلق بمرتبة الفعلية.
و كيف كان؛ فقد ظهر من جميع ما ذكر وجه تقييد المصنف الحكم بالفعلي في قوله: «إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري ...».
فالمتحصل: أن الحكم ما لم يبلغ مرتبة الفعلية لم يكن حقيقة بأمر و لا نهي؛ إذا الحكم إنما يسمى أمرا أو نهيا حتى يدخل تحت قوله تعالى:- ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا- إذا وصل مرتبة الفعلية. و أما إذا لم يبلغ مرتبة الفعلية: فلم يكن في موافقته ثواب و لا في مخالفته عقاب.
مثلا: لو علم بعض المسلمين في أول ظهور الإسلام بالمفسدة في الخمر و إنشاء المولى الحرمة؛ و لكن لم يكن هناك زجر فعلي كان شربها غير موجب للعقاب.
قوله: «و إن كان ربما يوجب موافقته» أي: موافقة ما لم يصر فعليا و هو الإنشائي المحض «استحقاق المثوبة» إذا أتى به بعنوان كونه محبوبا للمولى؛ لانطباق عنوان الانقياد عليه. فالمثوبة حينئذ مرتبة على مجرد الانقياد للمولى لا على نفس الفعل حتى يكون من الإطاعة الحقيقية، فاستحقاق المثوبة يفترق عن استحقاق العقوبة.
و حاصل الفرق: أن موافقة الحكم غير الفعلي توجب استحقاق المثوبة؛ و لكن مخالفته لا توجب استحقاق العقوبة. قوله: «لأن الحكم» تعليل لاختصاص حجية القطع بما إذا تعلق بالحكم الفعلي.
(١) أي: بل كان الحكم غير الفعلي مما سكت الله عنه، كما في الخبر المروي عن أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام»: «إن الله تعالى حدد حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم»، فلاحظ و تدبر حتى تستفيد منه عدم العقوبة على مخالفة الحكم المسكوت عنه و إن كان العمل به ليس محرما بقرينة قوله: «(عليه السلام)»: «فلا تتكلفوها». و قوله «رحمة من الله لكم» كما في «الوصول إلى كفاية الأصول، ج ٣، ص ٢٨٨».
(٢) أي: في الحكم و التكليف «بهذه المرتبة» أعني: الفعلية «موردا للوظائف المقررة