دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٩٣ - في اختلاف القراءات
و لو فرض جواز الاستدلال بها، فلا وجه لملاحظة الترجيح بينها، بعد كون الأصل في تعارض الأمارات هو: سقوطها عن الحجية في خصوص المؤدى، بناء على اعتبارها من باب الطريقية، و التخيير بينها بناء على السببية، مع عدم دليل على الترجيح في غير الروايات من سائر الأمارات، فلا بد من الرجوع حينئذ إلى الأصل أو العموم، حسب اختلاف المقامات.
الثاني: هو الاختلاف من حيث المادة دون الصورة، كقوله تعالى: كيف ننشرها [١] حيث قرء بالزاء و الراء كما في مجمع البيان في ذيل آية ٢٥٩ من سورة البقرة.
الثالث: الاختلاف في الصورة و المؤدى دون المادة، كقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [٢] حيث قرئ- قوله تعالى:- يَطْهُرْنَ بالتشديد و التخفيف، فعلى الأول: يحرم الجماع و المقاربة قبل الغسل، و على الثاني: قبل النقاء.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن محل النزاع مختص بما إذا كان الاختلاف في القراءة موجبا للاختلاف في المؤدى، سواء كان موجبا للاختلاف في المادة و الصورة أم لا؛ كما هو ظاهر المصنف حيث قال: «إن الاختلاف في القراءة بما يوجب الاختلاف في الظهور»، و هذا احتراز عن الاختلاف غير الموجب لاختلاف الظهور مثل:
الصِّراطَ* و «السراط».
و أما حكم اختلاف القراءات الموجب لاختلاف الظهور: فهو منع التمسك بالقرآن؛ و ذلك لعدم إحراز ما هو القرآن حتى يستدل بظاهره لإثبات الحكم الشرعي.
و توضيح جميع جوانب مسألة اختلاف القراءات يتوقف على مقدمة و هي: بيان الاحتمالات و الصور المتصورة في القراءات من حيث التواتر و عدمه، و جواز الاستدلال بكل منها و عدمه فهناك صور:
الصورة الأولى: هي ثبوت تواترها.
الصورة الثانية: هي جواز الاستدلال بكل منها على تقدير عدم ثبوت تواترها.
الصورة الثالثة: هي جواز القراءة على طبق كل قراءة فقط، من دون ثبوت التواتر و لا جواز الاستدلال بها، بمعنى: أن جواز القراءة على طبق قراءة لا يلازم جواز الاستدلال بتلك القراءة.
[١] البقرة: ٢٥٩.
[٢] البقرة: ٢٢٢.