دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٥ - في التجري
و أما بحسب الاصطلاح الأصولي: فيكون التجري مباينا للعصيان، و كذلك يكون الانقياد مباينا للإطاعة.
و ذلك أن التجري في الاصطلاح الأصولي هو: مخالفة القطع غير المصادف للواقع، أو مخالفة مطلق الحجة غير المصادف للواقع. هذا بخلاف المعصية فإنها عبارة عن مخالفة القطع المصادف للواقع. و كذلك بالنسبة إلى الانقياد و الإطاعة، فالأول: هو موافقة القطع غير المصادف للواقع. و الثاني: موافقة القطع المصادف للواقع.
هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.
و أما الأمر الثاني: فنقول: إن مسألة التجري يمكن تكون من المسائل الكلامية، فيبحث فيها عن استحقاق المتجري للعقاب و عدم استحقاق له، و يمكن أن تكون من المسائل الفقهية، فيبحث فيها عن أن الفعل المتجري به هل يكون محرما أم لا؟
و يمكن أن تجعل من المسائل الأصولية، فيبحث فيها عن أن التجري هل يوجب قبح الفعل المتجري به فيترتب عليه الحكم بالحرمة، فتقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، فتكون من المسائل الأصولية.
إذا عرفت هذين الأمرين فيقع الكلام في بيان ما هو محل الكلام في المقام فيقال: إن الظاهر هو عدم الخلاف في حجية القطع، بمعنى: صحة الاحتجاج من المكلف على الشارع في مورد الإطاعة و الانقياد، و من الشارع على المكلف في مورد المعصية، و إنما الخلاف في حجية القطع للشارع على المكلف في مورد التجري هل يكون قطعه هذا حجة حتى يعاقب المكلف على المخالفة أم لا؟
بمعنى: أنه كان للشارع أن يحتج به عليه و يعاقبه عند مخالفته لقطعه و إن كان جهلا مركبا. و هناك أقوال:
قال المصنف: إن التجري يوجب استحقاق العقوبة لانطباق عنوان الطغيان و التمرد عليه، كما أشار إليه بقوله: «الحق أنه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته».
و قال الشيخ الأنصاري: إن التجري لا يقتضي شيئا سوى الكشف عن سوء سريرة الفاعل و خبث باطنه الذي لا يترتب عليه سوى اللوم.
و قيل: باقتضائه لاستحقاق العقوبة على مجرد العزم على العصيان محضا لا على الفعل المتجري به نظرا إلى أن التجري من المحرمات الجنانية لا الجوارحية.
قوله: «قد عرفت إنه لا شبهة في أن القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة».