دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥٨ - الوجه الاول
أما الصغرى: فلأن الظن بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظن بالعقوبة على مخالفته، أو الظن بالمفسدة فيها بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.
و أما الثاني فلنرتب الوقوع في المفسدة، أو فوات المصلحة على مخالفته.
فالصغرى- و هي ترتب الضرر الأخروي أو الدنيوي على مخالفة الحكم المظنون- ثابتة.
و أما الكبرى: فحاصلها: أنه- بعد إثبات الملازمة بين الظن بالحكم و الظن بالضرر في الصغرى- يقال: إن دفع الضرر المظنون لازم؛ لاستقلال العقل به- كما عرفت في المقدمة- و هذا الحكم من العقل لا يكون مبنيا على القول بالتحسين و التقبيح العقليين لما هو مذهب العدلية؛ بل يحكم حتى على القول بعزل العقل عن حكمه بالتحسين و التقبيح كما هو مذهب الأشاعرة؛ لعدم ابتناء حكمه بلزوم دفع الضرر المظنون على القول بالتحسين و التقبيح؛ لأن لزومه من الأمور الفطرية المجبولة عليها النفوس، و لا ربط له بالعقل، ضرورة: أن ملاك وجوب دفع الضرر هو كونه منافرا للطبع، كما أن ملاك جلب المنفعة هو كونها ملائمة للطبع و هما مما اتفق عليه العقلاء حتى الأشعري المنكر للحسن و القبح، حيث إن ما أنكره هو إدراك العقل بعض الأفعال، على وجه يمدح أو يذم فاعله عليه؛ لا منافرة بعض الأشياء للطبع أو ملاءمته له، فإنهما مما لا ينكره ذو فطرة، و منه دفع الضرر و جلب المنفعة.
و كيف كان: فقد استقل العقل بلزوم دفع الضرر المظنون، سواء قلنا بالحسن و القبح العقليين أم لم نقل؛ فإن التحرز عن الضرر المظنون بل المحتمل جبلّي على كل عاقل؛ بل فطر عليه كل ذي شعور، فيجب العمل بالظن المتعلق بالحكم الإلزامي دفعا للضرر في مخالفته، و هذا معنى حجية مطلق الظن.
فالمتحصل: أن ملاك حكم العقل بلزوم دفع الضرر المظنون ليس منحصرا في التحسين و التقبيح العقليين حتى ينتفي لزوم دفعه بانتفاء ملاكه، فالالتزام بلزوم دفع الضرر المظنون في عرض الالتزام بفعل ما استقل العقل بحسنه، و ترك ما استقل بقبحه بناء على قاعدة التحسين و التقبيح العقليين.
و لا يخفى: أنه لا تنافي بين أن يكون الشيء من مستقلات العقل، و بين أن يكون من الأمور الفطرية. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا الوجه من الوجوه العقلية على حجية مطلق الظن؛ إذ يجب العمل على طبق الظن بحكم من العقل من باب وجوب دفع الضرر المظنون، و لازم ذلك حجية مطلق الظن.