دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٧٩ - تقريب الاستدلال بآية النبأ على حجية خبر الواحد من طريق مفهوم الشرط
و لا يخفى: أن الإشكال إنما يبتني على كون الجهالة (١) بمعنى عدم العلم، مع أن
فيقدم عموم التعليل على المفهوم؛ لأن دلالته على عدم الحجية يكون بالمنطوق، و من المعلوم: أن المنطوق أقوى من المفهوم فيقدم عليه.
قوله: «لأن التعليل بإصابة القوم ...» الخ تعليل لقوله: «يشكل»، و تقريب للإشكال، و قد عرفت توضيح ذلك، فلا حاجة إلى التكرار و الإعادة.
(١) غرض المصنف من هذا الكلام: هو دفع الإشكال المذكور، و إثبات المفهوم للآية، و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن الجهالة تارة: تكون بمعنى الجهل المقابل للعلم، و أخرى: تكون بمعنى السفاهة التي هي عبارة عن فعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مبنى الإشكال المذكور على أن تكون الجهالة المذكورة في الآية بمعنى: عدم العلم كما هو مقتضى مادة الاشتقاق لغة كالجهل؛ إذ يكون عدم العلم مشتركا بين خبر العادل و الفاسق. و أما إذا كانت بمعنى السفاهة: فلا يرد الإشكال؛ لاختصاص التعليل حينئذ بخبر الفاسق؛ لأنه الذي يكون الاعتماد عليه بدون تبين عملا سفهيا؛ لاحتمال تعمده الكذب، و هذا بخلاف خبر العادل: فإن الاعتماد عليه لا يكون سفهيا؛ لعدم احتمال تعمده للكذب؛ بل نعلم بعدم تعمده له، فالركون إليه بلا تبين لا يكون سفهيا.
و كيف كان؛ فالجهالة في الآية و إن كانت ظاهرة بمعنى: عدم العلم؛ لأنها من الجهل المقابل للعلم إلا إنها في الآية لم تكن بمعنى الجهل؛ بل تكون بمعنى: السفاهة، و هي فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء، فالجهالة حقيقة عرفا في السفاهة، و من المعلوم: تقدم المعنى العرفي على اللغوي عند الدوران بينهما، و الشاهد على كون المراد من الجهالة السفاهة هو: قوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ؛ لأن الوقوع في الندم إنما يكون في العمل عن سفاهة لا في العمل عن جهل، فإن أعمال الناس يوميا يكون أكثرها عن جهل و لا ندامة فيها، فالتعليل لا يشمل خبر العادل؛ لأن العمل بخبره ليس عن سفاهة، فيرتفع التعارض بين المفهوم و التعليل.
فالمتحصل: أن مرجع مفاد الآية إلى أن العمل بخبر الفاسق من دون تبين يكون من أفعال السفهاء، فيجب التبين فيه؛ لئلا يكون العمل به عن سفاهة، فيكون المفهوم: أن العمل بخبر العادل لا يعد عند العقلاء عملا عن السفاهة؛ و إن لم يتبين أصلا، فيكون حجة من دون التبين بمقتضى المفهوم.