الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٤١ - المتن
بحظّ وافر.
و اعلم أنّ طالب العلم يستغفر له من في السموات و الأرض حتى الطّير في جوّ الهواء و الحوت في البحر، و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، و فيه شرف الدنيا و الآخرة و الفوز بالجنّة يوم القيامة، لأن الفقهاء هم الدّعاة إلى الجنان و الأدلّاء على اللّه تعالى، و أحسن إلى جميع الناس كما تحبّ أن يحسن إليك، و ارض لهم بما ترضاه لنفسك، و استقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، و حسّن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنّوا إليك، و إذا متّ بكوا عليك و قالوا: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و لا تكن من الذين يقال عند موتهم: الحمد للّه ربّ العالمين.
و اعلم أنّ رأس العقل بعد الإيمان باللّه مداراة الناس، و لا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لا بدّ من معاشرته حتى يجعل اللّه تعالى إلى الخلاص منه سبيلا، فإنّي وجدت جميع ما يتعايش به الناس و به يتعاشرون ملء مكيال ثلثاه استحسان و ثلثه تغافل، و ما خلق اللّه تعالى شيئا أحسن من الكلام و لا أقبح منه، بالكلام ابيضّت الوجوه، و بالكلام اسودّت الوجوه.
و اعلم أنّ الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم، به فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك و ورقك، فإنّ اللسان كلب عقور، فإن أنت خلّيته عقر، و ربّ كلمة سلبت نعمة، و من سيّب عذاره قاده إلى كلّ كريهة و فضيحة، ثمّ لم يتخلّص من دهره إلّا على مقت من اللّه و ذمّ من الناس.
قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه، من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، و من تورّط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرّض لمفظعات النوائب، التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، و العاقل من وعظته التجارب، و في التجارب علم مستأنف، و في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال، الأيام تهتك لك عن السرائر الكامنة، فافهم وصيّتي هذه، و لا تذهبنّ عنك صفحا، فإنّ خير القول ما نفع.
اعلم يا بني أنّه لا بدّ لك من حسن الارتياد و بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون عليك ثقلا في حشرك و نشرك في القيامة، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد.