الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٩ - المتن
عهده حتى قام خطيبا، فقال: أيها الناس، قد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالاسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذّب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و رآه و سمع منه، فيأخذون عنه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبر اللّه عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم، فقال تعالى: وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [١]، ثم بقوا بعده فتقرّبوا إلى أئمّة الضلال و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولّوهم الأعمال و حملوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا، و إنّما الناس مع الملوك و الدنيا إلّا من عصم اللّه، فهذا أحد الأربعة.
و رجل سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا لم يحمله على وجهه، و وهم فيه و لم يتعمّد كذبا، فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه، فيقول: أنا سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه هو.
و رجل ثالث سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شيئا أمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ و المنسوخ، و عمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاص و عام، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكلام له وجهان، و كلام عام و كلام خاص مثل القرآن، و قال اللّه في كتابه: مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٢] فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله.
[١]. المنافقون (٦٣): ٤.
[٢]. الحشر (٥٩): ٧.