الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٩ - * بيان
[المتن]
[٥٢٩] ٢. الكافي: عن الصادق (عليه السلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بويع بعد مقتل عثمان، صعد المنبر و خطب بخطبة ذكرها يقول فيها: ألا إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه عزّ و جلّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة و لتغربلنّ غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سبّاقون كانوا قصروا، و ليقصرنّ سبّاقون كانوا سبقوا، و اللّه ما كتمت و شمة، و لا كذبت كذبة، و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم» [١].
* بيان
«إنّ بليّتكم قد عادت» يعني صرتم أهل جاهلية حيارى في أمر دينكم، مضطرين إلى من يحملكم على الهدى و يسلك بكم طريق الاستقامة طوعا منكم أو كرها كما كنتم حين بعث النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كذلك، كما قال (عليه السلام) في خطبته له: «بعثه و الناس ضلّال في حيرة، و حاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، و استزلّتهم الكبراء، و استخفّتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، و بلاء من الجهل، فبالغ في النصيحة و مضى على الطريقة، و دعا إلى الحكمة و الموعظة» [٢].
و «البلبلة»: اختلاط الألسنة و تفريق الآراء و شدّة الهمّ و الوسواس، و أراد بها هاهنا اختلاف أهوائهم عن الشبهات التي كان يلقيها إليهم الشيطان، فإنّ ذلك الأمر يشبه ما كانوا عليه حين بعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
«و الغربلة»: نخل الدقيق و نحوه، و إنما يغربلون غربلة ليتميّز محسنهم من مسيئهم لِيَمِيزَ اللّٰهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [٣] و قيل: لفظ الغربلة مستعار لالتقاط آحادهم بالقتل و الأذى، كما فعلوا بكثير من الصحابة و التابعين.
«حتى يعود أسفلكم أعلاكم» أصاغركم أكابر، و أذلاؤكم أعزّاء «و ليسبقنّ سبّاقون» كان من حقّهم السبق «كانوا قصّروا» تأخّروا ظلما «و ليقصّرن سبّاقون» لم يكن من حقّهم السبق، قيل: أشار به إلى ما علمه من سرّ القدر من تقصير من كان له سبق في الدين و تقدّم رتبة فيه، أو إلى سبق من كان قصر فيه في أوّله أو سبق من كان قاصرا في أول الإسلام عن الخلافة و الإمارة في آخر الزمان إليها و تقصير
[١]. الكافي ١: ٣٦٩/ ١.
[٢]. نهج البلاغة: خ ٩٥.
[٣]. الانفال (٨): ٣٧.