الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٢٦ - * بيان
و الكلام في الحديث و روايته لا القول و الإفتاء به، و لهذا قال: «و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» فالمراد بالمجمع عليه بين الأصحاب في هذا الحديث هو بعينه ما عبّر عنه بالمشهور بينهم في رواية زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: سألته فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان، فبأيهما آخذ؟ فقال (عليه السلام):
«يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشّاذ النادر».
فقلت: يا سيدي، إنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم؟ فقال: «خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك».
فقلت: إنهما معا عدلان مرضيّان موثّقان؟ فقال: «انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم، فإنّ الحقّ فيما خالفهم».
قلت: ربّما كانا معا موافقين لها أو مخالفين، فكيف أصنع؟ فقال: «إذن فخذ [١] الحائطة لدينك، و اترك ما خالف الاحتياط».
فقلت: إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الاخر».
و هذه الرواية رواها محمّد بن علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الاحسائي في كتاب (عوالي اللآلي) [٢] عن العلّامة الحلّي مرفوعا إلى زرارة.
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة، و قد أوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى ب«سفينة النجاة» و في كتابنا الموسوم ب«الاصول الأصيلة» و في بعضها: «و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا» [٣].
و لا يخفى أن ردّ علمه إليهم لا ينافي التخيير في العمل من باب التسليم، فلا يجوز الفتوى بأنه حكم اللّه في الواقع، و إن جاز الفتوى بجواز العمل به و جاز العمل به.
و المراد بالشهرة في الخبرين شهرة الحديث الكائنة بين قدماء أصحابنا الأخباريين الذين لا يتعدّون النصّ في شيء من الأحكام دون شهرة القول الحادثة بين المتأخرين، فانّها لا اعتماد عليها أصلا، كما حقّقه الشهيد الثاني في
[١]. فيه خ ل.
[٢]. عوالي اللآلي ٤: ١٣٣/ ٢٢٩.
[٣]. راجع بحار الأنوار ٢: ٢٣٣/ ٢.