الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٤٦ - المتن
الرشد، و سلك طريق القصد، ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرّر الفكر، و اتّعظ بالعبر فازدجر، و زهد في عاجل بهجة الدنيا، و تجافى عن لذّاتها، و رغب في دار نعيم الآخرة، و سعى لها سعيها، و راقب الموت، و شنأ الحياة مع القوم الظالمين، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيّرة [١] حديدة النظر، و أبصر حوادث الفتنة و ضلال البدع و جور الملوك الظلمة، فقد لعمري استدبرتم الأمور الماضية في الأيّام الخالية من الفتن المتراكمة و الانهماك فيما تستدلّون به على تجنّب الغواة و أهل البدع و البغي و الفساد في الأرض بغير الحقّ، فاستعينوا باللّه، و ارجعوا إلى طاعة اللّه و طاعة من هو أولى بالطاعة ممّن اتّبع فأطيع.
فالحذر الحذر من قبل الندامة و الحسرة و القدوم على اللّه و الوقوف بين يديه، و تاللّه ما صدر قوم عن معصية اللّه إلّا إلى عذابه، و ما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلّا ساء منقلبهم و ساء مصيرهم، و ما العلم باللّه و العمل إلّا إلفان مؤتلفان، فمن عرف اللّه خافه، و حثّه الخوف على العمل بطاعة اللّه، و إنّ أرباب العلم و أتباعهم الذين عرفوا اللّه فعملوا له و رغبوا إليه، و قد قال اللّه: إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ [٢]، فلا تلتمسوا شيئا ممّا في هذه الدنيا بمعصية اللّه، و اشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة اللّه، و اغتنموا أيامها، و اسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب اللّه، فإنّ ذلك أقلّ للتبعة، و أدنى من العذر، و أرجى للنجاة، و قدّموا أمر اللّه و طاعة من أوجب اللّه طاعته بين يدي الأمور كلّها، و لا تقدّموا الأمور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي اللّه و طاعته و طاعة أولي الأمر منكم.
و اعلموا أنّكم عبيد اللّه و نحن معكم، يحكم علينا و عليكم سيّد حاكم غدا، و هو موقفكم و مسائلكم، فأعدّوا الجواب قبل الوقوف و المساءلة و العرض على ربّ العالمين، يومئذ لا تكلّم نفس إلّا بإذنه، و اعلموا أنّ اللّه لا يصدّق يومئذ كاذبا، و لا يكذّب صادقا، و لا يردّ عذر مستحقّ، و لا يعذر غير معذور، له الحجّة على خلقه بالرسل. و الأوصياء بعد الرسل.
[١]. في نسخة: بعين قرّة.
[٢]. فاطر (٣٥): ٢٨.