الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٠٩ - المتن
و تيقّظ بها في ساعات الليل و النهار، و لا تمكّن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير.
يا موسى، أبناء الدنيا و أهلها فتن بعضهم لبعض، فكلّ مزيّن له ما هو فيه، و المؤمن من زيّنت له الآخرة، فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه و بين لذّة العيش فأدلجته بالأسحار، كفعل الراكب السابق إلى غايته يظلّ كئيبا و يمسي حزينا، فطوبى له لو قد كشف الغطاء ما ذا يعاين من السرور.
يا موسى، الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن و لا نقمة من فاجر، فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق و بلعة لم تدم، و كذلك فكن كما أمرتك و كلّ أمري رشاد.
يا موسى، إذا رأيت الغنى مقبلا فقل ذنب عجّلت لي عقوبته، و إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، و لا تكن جبّارا ظلوما، و لا تكن للظالمين قرينا.
يا موسى، ما عمر و إن طال يذمّ آخره، و ما ضرّك ما زوي عنك إذا حمدت مغبّته.
يا موسى، صرّح الكتاب إليك صراحا بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا العيون، أم كيف يجد قوم لذّة العيش، لو لا التمادي في الغافلة و الاتباع للشقوة، و التتابع للشهوة، و من دون هذا يجزع الصدّيقون.
يا موسى، مر عبادي يدعوني على ما كان بعد أن يقرّوا بي أنّي أرحم الراحمين، مجيب المضطرين، و أكشف السوء، و أبدّل الزمان، و آتي بالرخاء، و أشكر اليسير، و اثيب الكثير، و اغني الفقير، و أنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك و انضوى إليك من الخاطئين فقل: أهلا و سهلا بأرحب الفناء بفناء ربّ العالمين، و استغفر لهم و كن لهم كأحدهم و لا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله، و قل لهم فليسألوني من فضلي و رحمتي، فإنّه لا يملكها أحد غيري، و أنا ذو الفضل العظيم.
طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين، و أخ المذنبين، و جليس المضطرّين، و مستغفر للمذنبين، إنّك منّي بالمكان الرضيّ، فادعني بالقلب التقي و اللسان الصادق، و كن كما أمرتك، أطع أمري، و لا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدؤه، و تقرّب إلي فإنّي منك قريب، فإنّي لم أسألك ما يؤذيك ثقله و لا حمله، إنّما سألتك أن تدعوني