الشافي في العقائد و الأخلاق و الأحكام - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤١٩ - المتن
قيل: كيف ذاك؟ قال: «لأن اللّه تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلّا و قد وكّلت من الإيمان بغير ما وكّلت به أختها، فمنها قلبه الذي به يعقل و يفقه، و يفهم و هو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلّا عن رأيه و أمره، و منها عيناه اللّتان يبصر بهما، و أذناه اللتان يسمع بهما، و يداه اللتان يبطش بهما، و رجلاه اللتان يمشي بهما، و فرجه الذي الباءة من قلبه، و لسانه الذي ينطق به، و رأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلّا و قد وكّلت من الإيمان بغير ما وكّلت به أختها، بفرض من اللّه تبارك و تعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها، و يشهد به عليها.
ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، و فرض على السمع غير ما فرض على العينين، و فرض على العينين غير ما فرض على اللسان، و فرض على اللسان غير ما فرض على اليدين، و فرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، و فرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج.
و فرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان؛ فالإقرار و المعرفة و العقد و الرضا و التسليم بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، و أنّ محمّدا عبده و رسوله (صلوات اللّه عليه)، و الإقرار بما جاء من اللّه من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض اللّه على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله، و هو قول اللّه تعالى: إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ وَ لٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [١] و قال: أَلٰا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [٢] و قال: الَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٣] و قال: إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ [٤]، فذلك ما فرض اللّه تعالى على القلب من الإقرار و المعرفة، و هو عمله، و هو رأس الإيمان.
و فرض اللّه على اللسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقرّ به، قال اللّه
[١]. النحل (١٦): ١٠٦.
[٢]. الرعد (١٣): ٢٨.
[٣]. المائدة (٥): ٤١.
[٤]. البقرة (٢): ٢٨٤.