المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ٧٨
وأما
حديث التداخل فالذي هو موضوع للبحث في الأصول من أنّه موافق للأصل أو مخالف
إنما هو مع اجتماع السببين وتعارضهما في الوجود، وأما مع السبق واللحوق
كما في المقام ــ حيث إنّ الصيد يذبح أولاً ثمّ يؤكل ــ فلا ينبغي الشك في
اختصاص الأثر بالسابق ولا موضوع عندئذٍ للتداخل، فلو نام المتطهر ثمّ بال
أو أنزل ثمّ جامع كان السبب للحدث هو النوم فقط أو الإنزال كذلك ولا أثر
للبول أو الجماع بعد ذلك أبداً، ضرورة أنّ المجنب لا يجنب ثانياً وكذلك
المحدث فلا يتصور التداخل في أمثال هذه الموارد بوجه التي منها المقام كما
عرفت. إذاً فلو كان القوم ذابحين تعلقت بهم الكفارة بمجرد الذبح سواء تعقب
بالأكل أم لا، إذاً فما معنى ضميمة الأكل في قوله عليه السلام ((... عليهم
مكان كل فرخٍ أصابوه وأكلوه بدنة))، فإنّه لغو محض لا يكاد يصدر من المعصوم
عليه السلام.
فيعلم من ذلك كله أنّ الكفارة المذكورة فيها إنما هي من
جهة الأكل فقط وأنّ حكم الذبح على تقدير صدوره منهم يعلم من دليل آخر، إذاً
فالاستدلال بهذه الصحيحة على تداخل الكفارة ساقط جزماً.
وهل كفارة الأكل هي كفارة الصيد فيتضاعف الجزاء أو أنّ كفارته قيمة المأكول دون الفداء.
المشهور
هو الأول ونسب الثاني إلى الشيخ في بعض كتبه والعلامة واختاره المحقق في
الشرائع، والأصح هو الأول فإن الثاني لم يظهر له وجه صحيح وإنّ استدل له
بروايات:
منها: صحيحة منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام
أهدي لنا طير مذبوح بمكّة فأكله أهلنا، فقال: ((لا يرى به أهل مكّة
بأساً))، قلت: فأيّ شيء تقول أنت؟ قال: ((عليهم ثمنه))[١].
[١]وسائل الشيعة: باب ١٠ من أبواب كفارات الصيد، ح٢.
٧٩ولكنها كما ترى أجنبية عن محل الكلام إذ هي واردة في أهل مكّة والظاهر منها أنهم محلون وكلامنا في أكل المحرم لا المحل، وأقصى ما هناك ــ بعد التنازل والتسليم ــ أنّها مطلقة من جهة ترك الاستفصال فتحمل على المحل بقرينة سائر الروايات الدالة على أنّ حكم المحرم شيء آخر، فالاستدلال بهذه الصحيحة لا وجه له.
والعمدة صحيحتان أخريان:
إحداهما: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((إذا اجتمع قوم على صيد وهم محرمون في صيده أو أكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته)).
وثانيهما: موثقته عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: ((وأيّ قومٍ اجتمعوا على صيدٍ فأكلوا منه فإنّ على كل إنسان منهم قيمته، فإن اجتمعوا في صيد فعليهم مثل ذلك))[١].
وفيه: أنّهما كما دلتا على أنّ القيمة كفارة للأكل دلتا على أنّها كفارة للصيد أيضاً ولم يلتزم به أحد من الفقهاء حتى المحقق نفسه، فإنّه لا إشكال في أنّ الكفارة في جملة وافرة من المنصوصات كالنعامة والبقرة والظبي ونحوها هي ما عين لها من الجزاء الخاص، هذا.
ولولا اتفاق النص والفتوى على أنّ حكم الاجتماع هو بعينه حكم الانفراد وأنّ على كل واحد منهم الفداء لأمكن المصير من أجل هاتين الصحيحتين إلى القول بأنّ الكفارة لدى الاجتماع هي القيمة.
وحيث لا سبيل إلى ذلك فلا مناص من حملهما على أحد محملين: إما ما ارتكبه في الجواهر من حمل القيمة على الفداء ولو مجازاً، أو تقييدهما بما إذا كانت كفارة الصيد أيضاً هي القيمة كما في غير المنصوصات مثل اليحمور
[١]وسائل الشيعة: باب ١٨ من أبواب كفارات الصيد، ح١ و ح٣.