المستند في شرح العروة الوثقى - ط دار المؤرخ العربي - البروجردي، الشيخ مرتضى - الصفحة ٣٧٩
الصلاة ــ في غير الركن ــ من حيث عدم القدح بمقتضى الأصل.
غير
أنّ بإزائها صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: ((إنّ علياً عليه
السلام طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد وأضاف إليه ستاً،
ثمّ صلى ركعتين خلف المقام، ثمّ خرج إلى الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي
بينهما رجع فصلى الركعتين اللتين ترك في المقام الأول))[١].
فإنّها
كالصريح فيما اختاره الصدوق من أنّ الفريضة هي الثاني لقوله عليه السلام:
((فترك سبعة))، إذ لا معنى لتركها إلاّ إلغائها وفرضها كالعدم واستئناف
العمل الذي أراده ــ وهو طواف الفريضة ــ من الآن، ولولا ذلك لم يتضح أيّ
معنى للترك، بل هي باقية على حالها غاية الأمر أنّه قد أتى بطواف مستحب بعد
تلك الفريضة.
ويؤيد ما ذكرناه أنّه لو كان الأول فريضة لزم من ضم الستة
القران الممنوع في الفريضة، بخلاف ما لو كان نافلة فإنّه لا يلزم من الضم
إلا القران في النافلة، ولا بأس به كما تقدم إذ المراد بالقران فيها
الإتيان بطواف آخر بعدها ولو كان فريضة.
نعم تتضمن الصحيحة ما لا يساعده
المذهب من نسبة السهو ولو في الموضوعات ــ لا الأحكام ــ إلى المعصوم عليه
السلام، ولعلها مبنية على التقية من هذه الجهة التي لا مانع من الاستدلال
بها في أصل الحكم.
وكيفما كان فرعاية الاحتياط تستدعي ما ذكرناه من
الإتيان بالطواف الثاني بقصد القربة المطلقة، أي على ما هو عليه بحسب
الواقع من غير نية الفريضة ولا النافلة.
هذا ومما يؤيد مقالة الصدوق
الأمر في بعض الروايات ــ كما ستعرف ــ بالإتيان بركعتين بعد الطواف، ثمّ
بركعتين أخريين بعد السعي ويجعلهما للنافلة.
فإنّ من الواضح لزوم
الاتصال العرفي بين طواف الفريضة وصلاته، وأما طواف النافلة فيجوز الفصل
بينه وبين صلاته حتى اختياراً. وعليه فلو كان الفرض هو الطواف الثاني فقد
روعي الاتصال المزبور، بخلاف ما لو كان هو الأول لاستلزام الفصل الممنوع.
[١]وسائل الشيعة: باب ٣٤ من أبواب الطواف، ح٧.
٣٨٠(تذييل) قد ورد في بعض الروايات كصحيحة أبي أيوب[١] الأمر بالإتيان بأربع
ركعات بعد هذين الطوافين مطلقاً من غير تقييد بالاتصال أو الانفصال.
وبإزائها صحيحة زرارة المتقدمة وروايتا علي بن أبي حمزة وجميل[٢] الصريحة في التفكيك والإتيان بركعتين منها بعد الطواف والركعتين الأخريين بعد السعي، فهل يعتبر التفكيك ويرتكب التقييد في الإطلاق المزبور أم لا؟
الظاهر هو الثاني لعدم الموجب له، أما الصحيحة الحاكية لفعل علي عليه السلام فأقصاها الدلالة على الرجحان دون الوجوب كما لا يخفى.
وأما الروايتان فكلتاهما ضعيفة، أما الأولى فبعلي بن أبي حمزة الذي هو البطائني الكذاب. وأما الثانية فلجهالة طريق ابن إدريس إلى كتاب البزنطي فلا تصلحان لتقييد الإطلاق بهما.
بل الأمر كذلك حتى مع الغض وتسليم صحّة السند، إذ الأمر بأربع ركعات استحبابي بالضرورة، ولا تقييد في باب المستحبات، بل القيد محمول على أفضل الأفراد إلا إذا كان بصورة النهي كالنهي عن الإقامة قاعداً بعد الأمر بها مطلقاً حسبما هو موضّح في بحث المطلق والمقيد من الأصول.
ومما ذكرنا يظهر أنّه لا معارضة بين ما ورد من الأمر بأربع ركعات كما عرفت وبين ما ورد في صحيحة رفاعة من الأمر بركعتين، قال: كان علي عليه السلام
يقول: إذا طاف ثمانية فليتم أربعة عشر، قلت: يصلي أربع ركعات، قال: ((يصلي ركعتين))[٣]، فإن الثانية محمولة على بيان الوظيفة المفروضة، فلا تنافي الأولى المراد بها الاستحباب كما عرفت، فليتأمل.
[١] وسائل الشيعة: باب ٣٤ من أبواب الطواف، ح١٣.
[٢] وسائل الشيعة: باب ٣٤ من أبواب الطواف، ح٧ و ح١٥ و ح١٦.
[٣] وسائل الشيعة: باب ٣٤ من أبوابالطواف، ح٩.