الغارات - ط الحديثة - الثقفي الکوفي، ابراهیم - الصفحة ٧٧٩ - شرح حول كلمة«السواد»
و تناسلوا فيها و كثروا من بعد نوح و ملّكوا عليهم ملوكا و ابتنوا بها المدائن و اتّصلت مساكنهم بدجلة و الفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، و من الفرات إلى ما وراء الكوفة؛ و موضعهم هذا هو الّذي يقال له: السّواد، و كانت ملوكهم تنزل بابل و كان الكلدانيّون جنودهم فلم تزل مملكتهم قائمة إلى أن قتل دارا و هو آخر ملوكهم، ثمّ قتل منهم خلق كثير فذلّوا و انقطع ملكهم، و قد ذكرت بابل في موضعها.
و قال يزيد بن عمر الفارسي:
كانت ملوك فارس تعد السّواد اثنى عشر استانا و تحسبه ستّين طسوجا و تفسير الأستان اجارة، و ترجمة الطّسوج ناحية، و كان الملك منهم إذا عنى بناحية من الأرض عمرها و سمّاها باسمه و كانوا ينزلون السواد لما جمع اللَّه في أرضه من مرافق الخيرات و ما يوجد فيها من غضارة العيش و خصب المحلّ و طيب المستقرّ و سعة ميرها من أطعمتها و أوديتها و عطرها و لطيف صناعتها .. و كانوا يشبهون السواد بالقلب و سائر الدنيا بالبدن و لذلك سمّوه «دل ايرانشهر أي قلب ايرانشهر» و ايرانشهر الإقليم المتوسّط بجميع الأقاليم.
قال: و انّما شبّهوه بذلك لأنّ الآراء تشعّبت عن أهله بصحّة الفكر و الرّويّة كما تتشعّب عن القلب بدقائق العلوم و لطائف الآداب و الأحكام.
فأمّا من حولها فأهلها يستعملون أطرافهم بمباشرة العلاج و خصب بلاد ايرانشهر بسهولة لا عوائق فيها و لا شواهق تشبيها و لا مفاوز موحشة و لا براري منقطعة عن تواصل العمارة و الأنهار المطّردة من رساتيقها و بين قراها مع قلّة جبالها و آكامها و تكاثف عمارتها و كثرة أنواع غلّاتها و ثمارها و التفاف أشجارها و عذوبة مائها و صفاء هوائها و طيب تربتها مع اعتدال طينتها و توسّط مزاجها و كثرة أجناس الطّير و الصّيد في ظلال شجرها من طائر بجناح و ماش على ظلف و سابح في بحر قد أمنت ممّا تخافه البلدان من غارات الأعداء و بوائق المخالفين مع ما خصّت به من الرّافدين؛ دجلة و الفرات، إذ قد اكتنفاها لا ينقطعان شتاء و لا صيفا على بعد