علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣١٨
و لذلك قيل لرابعة العدويّة [١]: «كيف رغبتك في الجنّة»؟
فقالت: «الجار، ثمّ الدار».
فهؤلاء قوم شغلهم حبّ ربّ الدار عن الدار و زينتها، بل عن كلّ شيء سواه حتّى عن أنفسهم، و مثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقه، المستولي همّه بالنظر إلى وجهه أو الفكر فيه، فإنّه في حال الاستغراق غافل عن نفسه لا يحسّ بما يصيبه في بدنه. و يعبّر عن هذه الحالة بأنّه فنى عن نفسه، و معناه أنّه صار مستغرقا بغيره، و صارت همومه همّا واحدا، و هو محبوبه، و لم يبق فيه متّسع لغير محبوبه حتّى يلتفت إليه- لا نفسه و لا غير نفسه-.
و هذه الحالة هي التي توصل في الآخرة إلى قرّة عين لا يتصوّر أن يخطر على قلب بشر، كما لا يتصوّر أن يخطر صورة الألوان و الألحان على قلب الأكمه و الأصمّ، إلى أن يرفع الحجاب عن سمعه و بصره، فعند ذلك يدرك حالة يعلم قطعا أنّه لم يتصوّر أن يخطر بباله قبل ذلك صورته؛ فالدنيا حجاب على التحقيق، و برفعه ينكشف الغطاء، فعند ذلك يدرك ذوق الحياة الطبيعيّة: وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٢٩/ ٦٤]» [٢].
[١] - الرابعة بنت إسماعيل العدوية، العابدة المشهورة، توفيت سنة ثمانين و مائة (سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٤٣) و قيل سنة ١٣٥.
و قد أخرج الطبراني (المعجم الكبير: ١٠/ ٢٦٩، ح ٤٣٧٩) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«التمسوا الجار قبل الدار، و الرفيق قبل الطريق».
[٢] - إلى هنا انتهى ما نقله المؤلف عن الإحياء.