علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١٥
تحصل له و صار كاملا، استغنى عن البدن لا محالة، و انزجر عنه لتوجّهه دائما نحو كمال اخروي على التدريج، و رجوعه الطبيعي إلى عالم آخر، و انتقاله قليلا قليلا إلى نشأة ثانية، حتّى إذا بلغ غايته من التجوهر و مبلغه من الاستقلال في الذات انقطع تعلّقه عن البدن بالكليّة، و رجع إلى عالم أعلى و محلّ أرفع.
و لهذا يرى الإنسان كلّما كمل عقله و ازداد في عمره و حصل له تجاربه التي كانت في قوّته، ازداد في بدنه و هنا و في قواه كلالا و ضعفا- لاستغنائه عنه شيئا فشيئا- فكلّما ازداد الروح حياة في تحصيل الكمال، ازداد البدن موتا، إلى أن يحيى هذا كلا، و يموت هذا كلا- سواء كانت كمالاته مسعدة او مشقية.
فإنّه كما تكون الحركة الذاتيّة في السعادة و يكون التكامل فيها كذلك تكون في الشقاوة و الازدياد فيها- على حسب ما غرز في جبلّة الروح.
فللإنسان حركة طبيعيّة ذاتيّة من لدن نشوئه و وجوده و مبدئه، إلى آخر بعثه و لقاء بارئه و معاده؛ و إليها الإشارة بقوله- عزّ و جلّ-:
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [٨٤/ ٦].
و الموت و البعث منزلان من منازل هذا الطريق، لا بدّ من المرور عليهما لا محالة، و لا مفرّ منهما، فهما ضروريّان للإنسان: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [٤/ ٧٨] قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [٦٢/ ٨] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [٢٩/ ٥٧] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [٢٣/ ١٦].
و لمّا كان الموت و البعث واقعين في طريق هذه الحركة، و قد رأى الناس- في سلوكهم هذا- كثيرا من المراتب السابقة عليها بقطعهم