علم الیقین - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٠٦
و لمّا كان الصراط المستقيم- الذي لا يكمل التوحيد إلّا بالاستقامة عليه- أدقّ من الشعر و أحدّ من السيف- مثل الصراط الموصوف في الآخرة- فلا ينفكّ بشر عن ميل عن الاستقامة و لو في أمر يسير، و لا يخلو عن اتّباع الهوى و لو في فعل قليل؛ و ذلك قادح في كمال التوحيد بقدر ميله عن الصراط المستقيم، فذلك يقتضي لا محالة نقصانا في درجة القرب، و مع كلّ نقصان ناران: نار الفراق لذلك الكمال الفائت بالنقصان، و نار جهنّم كما وصفها القرآن.
فيكون كلّ مائل عن الصراط المستقيم معذّبا مرّتين من وجهين، و لكن شدّة ذلك العذاب و خفّته و تفاوته بحسب طول المدّة إنّما يكون بسبب أمرين: أحدهما قوّة الإيمان و ضعفه، و الثاني كثرة اتّباع الهوى و قلّته؛ إذ لا يخلو بشر في غالب الأمر عن واحد من الأمرين. قال اللّه- تعالى-: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا [١٩/ ٧١- ٧٢].
و لذلك قال الخائفون [١]: «إنّما خوفنا لأنّا تيقّنا أنّا على النار واردون، و شككنا في النجاة».
و اعلم أنّ في الأخبار ما يدلّ على أنّ «آخر من يخرج من
[١] - قال الزبيدي (إتحاف السادة: ٨/ ٥٥): «أخرج أحمد في الزهد عن بكر بن عبد اللّه المزني: لمّا نزلت هذه الآية وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ذهب عبد اللّه بن أبي رواحة إلى بيته فبكى و بكى أهل بيته ببكائه فسئل عن بكائه، قال: انزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم آية نبّأني فيها ربّي أنّي وارد على النار، و لم ينبئني أنّي صادر عنها، فذلك أبكاني».