نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٤ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
بإكمالهم خمسة آلاف، و كان ذلك معلّقا على شرط، و هو الصبر و التقوى عن حوز الغنائم، فلم يصبروا، ففات الإمداد مما زاد على الثلاثة آلاف، و قيل: كان الإمداد يوم بدر بالخمسة آلاف، و إنما كان الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل، ليكون الفعل منسوبا للنبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لأصحابه، و أن الملائكة مدد على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التى أجراها الله تعالى في عباده، و إلا فجبريل واحده قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، و ليهابهم العدوّ بعد ذلك، فاتضح أن الملائكة قاتلت يوم بدر، و لم تكن لتكثير السواد فقط [١].
و عند ابتداء الحرب نادى منادى قريش: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «قم يا عبيدة بن الحارث، و قم يا حمزة، و قم يا علي»، أو قال: «قوموا يا بنى هاشم، فقاتلوا»، فلما قدم عبيدة ابن الحارث و حمزة و على دنوا منهم، و قالوا: من أنتم؟ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا ملتبسين لا يعرفون من السلاح، قال عبيدة: عبيدة، و قال حمزة: حمزة، و قال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ابن الحارث: عتبة بن ربيعة، و بارز حمزة: شيبة، و بارز عليّ الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، و أما على فلم يمهل أن قتل الوليد، و اختلف عبيدة و عتبة بينهما بضربتين كلاهما طعن صاحبه، و كرّ حمزة و عليّ بسيفيهما على عتبة فذفّفا [٢] عليه، و احتملا صاحبهما فجرّاه إلى أصحابه، و أضجعوه إلى جنب موقعه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأفرشه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدمه الشريف، فوضع خدّه عليها، فقال له عبيدة: أ لست شهيدا يا رسول الله؟ فقال له رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): أشهد أنك شهيد.
قيل: هذه أوّل مبارزة وقعت في الإسلام. و في الصحيحين عن أبى ذرّ أنه كان يقسم قسما أن آية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة و صاحبيه يوم بدر.
[١] قال الربيع بن أنس: «كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق، و على البنان مثل سمة النار قد أحرق به. و عن ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. و كذلك روى ابن إسحاق: لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر. و إنما كان نزولهم في غير بدر لتثبيت المؤمنين، لا للقتال.
[٢] قوله «فذففا عليه»: أي أسرعا قتله و تمما عليه أ. ه (من هامش الأصل).