نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٠٠ - هجرة بقايا المسلمين من مكة
و سمّيت «ثنية الوداع» لأن المسافر من المدينة كان يشيّع إليها، و يودّع عندها قديما، و هى موضع بين مكة و المدينة. و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم حبّب لنا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ، اللهم بارك لنا في صاعها و مدّها [١]».
و البركة حاصلة لها؛ لأنها النموّ و الزيادة في نفس المكيل بحيث يكفى المدّ بها ما لا يكفى في غيرها، و هذا محسوس لمن سكنها. و لمسلم: «اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين». و له أيضا:
«اللهم بارك لنا في ثمرنا، و بارك لنا في مدينتنا، و بارك لنا في صاعنا، اللهم إن إبراهيم عبدك و خليلك و نبيك و إنه دعا لمكة، و أنا أدعو للمدينة بمثل ما دعاك لمكة».
و عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يؤتى بأول التمر فيقول:
«اللهم بارك لنا في مدينتنا، و في ثمارها، و في مدّنا، و في صاعنا بركة مع بركة. ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان».
و جاء: «إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها [٢] (و يأرز بكسر الراء أى ينضم و يجتمع بعضه إلى بعض) و في رواية «إن الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا كما بدأ، يأرز كما تأرز [٣] الحية إلى جحرها».
و مكة أفضل من المدينة؛ لأن مكة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، و هذا قول الجمهور، و عند الإمام الشافعى مكة أفضل من المدينة، و حكى عن مالك و مطرف و ابن حبيب- من أصحابه- لكن
[١] وردت في هذا عدة أحاديث، منها قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم إن إبراهيم حرّم مكة فجعلها حراما، و إنى حرّمت المدينة- ما بين مأزميها- ألا يراق فيها دم، و لا يحمل فيها سلاح لقتال، و لا يخبط شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين. و الّذي نفسى بيده ما في المدينة من شعب و لا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا» رواه مسلم.
[٢] فى الأصل: «إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها و يأزر بكسر الزاي، و لفظ الحديث الشريف كما أثبتناه: «يأرز» من الأرز»، و هو الانضمام و الاجتماع بعضه إلى بعض كما فى المختار، و الحديث متفق عليه، و رواه الإمام أحمد و ابن ماجه عن أبى هريرة.
[٣] أصلحناه أيضا كما مر.