نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٦ - كفالته عليّا
لهم في الهجرة إلى الحبشة كما سيأتي.
و لما نزل قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] دعا عليّا فقال: اصنع لنا صاعا من طعام، و اجعل لنا عليه رجل شاة، و املأ لنا عسّا (أي قدحا عظيما) من لبن، و اجمع لى بنى المطلب حتّى أكلّمهم و أبلغهم ما أمرت به» ففعل، و دعاهم، و هم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب و حمزة و العباس، و أحضر عليّ الطعام فأكلوا حتّى شبعوا، قال عليّ:
لقد كان الرجل الواحد منهم ليأكل جميع ما شبعوا كلهم منه [١]، فلما فرغوا من الأكل و أراد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يتكلم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: «سحركم محمد صاحبكم»، فتفرّق القوم و لم يكلمهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). ثم قال: يا عليّ قد رأيت كيف سبقنى هذا الرجل إلى الكلام فاصنع لنا في غد كما صنعت اليوم و اجمعهم ثانيا. فصنع عليّ في الغد كذلك، فلما أكلوا و شربوا اللبن، قال لهم (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما أعلم إنسانا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرنى اللّه أن أدعوكم عليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر و يكون أخى و وصيّى و خليفتى فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعا، قال علي: فقلت و إنى أحدثهم سنا، و أرمضهم عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم [٢] ساقا: أنا يا نبى اللّه أكون وزيرك عليهم، قال: فأخذ برقبتى ثم قال: «إن هذا أخي و وصيّى و خليفتى فيكم فاسمعوا و أطيعوا»، فقام القوم يضحكون و يقولون لأبى طالب: قد أمرك أن تسمع لعليّ و تطيع.
و استمرّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما أمره اللّه تعالى لم يبعد عنه قومه، و لم يردّوا عليه، حتى سبّ آلهتهم و عابها، و نسب قومه و آباءهم إلى الكفر و الضلال، فأجمعوا على عداوته إلا من عصمه اللّه بالإسلام. و ذبّ عنه عمّه أبو طالب، فجاء أبا طالب رجال من أشراف قريش فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد عاب ديننا و سفّه أحلامنا [٣] و ضلّل [٤] اباءنا؛ فانهه عنا أو خلّ بيننا و بينه. فردّهم أبو طالب ردّا حثيثا. و استمر (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما هو عليه، فعظم عليهم، و أتوا أبا طالب ثانيا، و قالوا:
[١] هذا من بركته (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكفاية الطعام القليل العدد الكسر.
[٢] أنحفهم و أدقهم.
[٣] عقولنا.
[٤] وصفهم بالضلال.