نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٤ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
قال أبو بكر- كما في الصحيحين-: «نظرت إلى أقدام المشركين من الغار على رءوسنا، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». و كان مكثه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر في الغار ثلاث ليال، و قيل بضع عشرة يوما (*)، و روى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه لما رأى القافة (**)- جمع القائف- قال: إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، و إن قتلت أنت هلكت الأمة، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أى بالمعونة و النصرة فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ أى علي أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، لا علي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لأن السكينة لا تفارقه؛ و هى أمنة تسكن عندها القلوب، وَ أَيَّدَهُ أي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بِجُنُودٍ أى ملائكة يصرفون أبصار الكفار عنه.
و روى عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول لأبى بكر: «أنت صاحبى في الغار، و صاحبى على الحوض» [١].
قال الحسن بن الفضيل: من قال إن أبا بكر رضى الله عنه لم يكن صاحب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فهو كافر؛ لإنكار نص القرآن، و في سائر [٢] الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا لا كافرا.
قال بعض النقاد ما معناه: و لما غار الحقّ تعالى علي نبيّه و صاحبه من أعدائهما، أدخلهما غار الحفظ و الأمان، و أذهب عنهما الهموم بجميل رعايته و الأحزان، كما صرّح بذلك القرآن: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [التوبة: ٤٠] فكشف في تلك الخلوة لصدّيقه الحجاب، و دعا له بالبركة من عقبه إلى يوم الحساب، و كان الله معهما في هاتيك الخلوة، و المتجلّى عليهما في تلك الجلوة [٣]، فصحبهما اسم الجلالة لفظا و معنى؛ فإنه من حيث اللفظ يقال رسول رسول الله، و خليفة رسول الله، و لم يكن ذلك إلا للصديق رضى الله عنه، و من حيث المعنى
* الصواب: بضعة عشر.
** القافة: الذين يتبعون الأثر.
[١] و رواه الترمذي، و الحاكم عن عمر بن الخطاب.
[٢] أى بقية الصحابة.
[٣] موضع تجلّى الله أى ظهور عظيم فضله.