نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٥٤ - الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة و ما فيها من الغزوات
أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] الآية، و بعث رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى من حوله من الأعراب فجلبهم، و هم: أسلم، و غفار و مزينة، و جهينة، و أشجع، فمنهم من وافاه بالمدينة، و منهم من لحقه بالطريق، و استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، و قد أهدر (صلّى اللّه عليه و سلّم) دم سارة حاملة كتاب حاطب بعد الفتح.
ثم خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المدينة لعشرة مضت من رمضان و معه المهاجرون و الأنصار، عامدا إلى مكة، فكان جيشه عشرة آلاف، فصام و صام الناس معه، حتى إذا كان «بالكديد» [١] و هو الماء الّذي بين قديد [٢] و عسفان [٣] أفطر، فلم يزل مضطرا حتّى انسلخ الشهر، و بلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان ابن حرب، و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، و كان العباس رضى الله عنه أسلم قديما، و كان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالحجة [٤] و قيل بذى الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد أن استأمن له، فأسلم معه حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء.
و في رواية عروة: لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صبيحة أسلم، قال أبو سفيان يا محمد إنى قد استنصرت إلهى و استنصرت أنت إلهك، فو الله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ فلو كان إلهى محقّا و إلهك مبطلا لظهرت عليك». فشهد ألا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله.
و ممن أسلم يومئذ معاوية بن أبى سفيان و أخوه يزيد، و أمه هند بنت عتبة، و كان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه عن أبيه و أمه، و قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه،
[١] الكديد: موضع بالحجاز على اثنين و أربعين ميلا من مكة. بين عسفان و أمج. و في هامش المراصد: «فى ياقوت: و يوم الكديد من أيام العرب».
[٢] قديد: بضم القاف: قرب مكة.
[٣] عسفان: منهلة من مناهل الطريق، بين الجحفة و مكة.
[٤] كانت قرية كبيرة ذات منبر (أى مسجد جامع به منبر) على طريق مكة، على أربع مراحل، و هى ميقات أهل مصر و الشام و سميت الجحفة لأن السيل جحفها، (أى أضر السيل بأهلها) و كان اسمها (مهيعة) بينها و بين البحر ستة أميال، و بينها و بين «غدير خمّ» ميلان.