نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٨٥ - غزوة بنى النضير
حتى جهدهم الحصار، و قذف الله في قلوبهم الرعب، فلما أيقنوا أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غير منصرف عنهم حتّى يقاتلهم، قال كبيرهم «كعب بن أسيد»: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، و أنا عارض عليكم خلالا ثلاثا أيها شئتم، قالوا: و ما هي؟ قال: «نتابع هذا الرجل و نصدّقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبيّ مرسل، و أنه الّذي تجدونه في كتابكم، فإذا آمنتم به أمنتم على أموالكم و دمائكم و نسائكم و أبنائكم، و ما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن هذا النبي من بنى إسرائيل». و كان يهود بنى قريظة يدرسون ذكر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في كتبهم، و أنّ دار هجرته المدينة، بل كان هذا غير خاص ببنى قريظة؛ إذ غيرهم كان كذلك، فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كانت يهود بنى قريظة، و بنى النضير، و فدك، و خيبر، يجدون في كتبهم صفة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل أن يبعث، و أن دار هجرته المدينة».
قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا و نساءنا، ثم نخرج إلى محمد و أصحابه رجالا مصلتين (*) السيوف، و لم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بينا و بين محمد، فإن نهلك نهلك و لم نترك وراءنا نسلا يخشى عليه، و إن نظفر فلعمرى لنجدن النساء و الأبناء. قالوا: «نقتل هذه المساكين»؟ فما خير العيش بعدهم»؟ قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، و أن عسى أن يكون محمد و أصحابه قد آمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد و أصحابه غرّة (أى غفلة). فقالوا: نفسد سبتنا و نحدث فيه ما لم يكن يحدث فيه من كان قبلنا؟ و قال لهم عمرو بن سعد: قد خالفتم محمدا فيما عاهدتموه عليه، و لم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية و أعطوا الجزية، فو الله ما أدرى أ يقبلها أم لا، قالوا: نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإني برئ منكم.
و بعد الحصار أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير، من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة «أى الدرع»، فأبى (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشيء من الأموال، لا من الحلقة و لا من
* أى مجرّدين السيوف من غمدها.