نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٩ - التامر على الرسول
و خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مكة و وقف علي الحزورة [١] و نظر إلي بيت الله الحرام، و قال حين خروجه من أم القري: «و الله إنك لأحبّ أرض الله إليّ و إنك خير بقعة علي وجه الأرض و أحبّها إلى الله تعالى، و لو لا أهلك أخرجونى لما خرجت منك» [٢].
و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إن خير بلدة علي وجه الأرض و أحبّها إلى الله مكة».
و سميت أمّ القري [٣] لأنها قبلة أهل الدنيا، فصارت هي كالأصل و سائر البلاد تبعا، و أيضا الناس يجتمعون إليها للحج و التجارة كما يجتمع الأولاد للأم، و قيل:
لأن الكعبة أوّل بيت وضع للناس. و ما أحسن ما قاله بعض الشعراء:
لا تنكرنّ لأهل مكة قسوة * * * و البيت فيهم و الحطيم و زمزم
آذوا رسول الله و هو نبيّهم * * * حتى حمته أهل طيبة منهم
خاف الإله على الّذي قد جاءه * * * سلبا فلا يأتيه إلّا محرم
أى خاف الله أن يسلب أهل مكة القادم إلى الحرم، فصار يقصد مكة الناس بالإحرام.
و أما حديث: «اللهم كما أخرجتنى من أحب البقاع إليّ، فأسكنّى أحبّ البقاع إليك» [٤] فلم يصح عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ لأن مكة أفضل من غيرها بوجوه:
[١] الحزورة: ضبطها صاحب المراصد بسكون الزاى و فتح الواو: سوق كانت بمكة، و دخلت في المسجد الحرام لمّا زيد فيه.
[٢] و في لفظ اخر «و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله و لو لا أنى أخرجت منك ما خرجت» رواه الإمام مالك و الترمذي و ابن ماجه و ابن حبان، و الحاكم عن عبد الله بن عديّ ابن الحمراء.
[٣] سماها الله تعالى «أم القري» في قوله تعالى: وَ لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها [الآية: ٩٢ الأنعام].
[٤] التحقيق في هذا الحديث أنه صحيح. قال محب الدين الطبرى في كتابه «القرى لقاصد أم القرى» ص ٦٧٧ ما نصه:
«... ثم اختلفوا في أيهما أفضل، فذهب عمر و بعض الصحابة إلى تفضيل المدينة، و هو قول مالك و أكثر المدنيين، و حملوا الاستثناء في قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إلا المسجد الحرام على أن مسجدى يفضله» بدون الألف.
و ذهب أهل الكوفة إلى تفضيل مكة، و به قال ابن وهب و ابن حبيب من أصحاب مالك، و إليه-.