نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٤٤ - إسلام عمير بن وهب
بادر بإزالة المنكر من بداية الأمر به، بدون أن ينتظر نصح ناصح، و هذا بفضله أكمل.
روى أنه لما سئل عن على و معاوية، قال: «دماؤهم قد طهّر الله منها سيوفنا، أ فلا نطهّر من الخوض فيها ألسنتنا؟!».
* و في منتصف شوال من هذه السنة الثانية، كانت غزوة بنى قينقاع (بفتح القاف و إسكان الياء و تثليث النون) بطن من يهود المدينة لهم شجاعة و صبر، و كانوا حلفاء عبادة بن الصامت- رضى الله تعالى عنه- و عبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى المنافق، و حلفاء للخزرج، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى و الحسد، و نبذوا العهد الّذي كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) عاهداهم به و عاهد بنى قريظة و النضير: أن لا يحاربوه و يظاهروا عليه عدوّه، و قيل: على ألا يكونوا معه و لا عليه، و قيل:
على أن ينصروه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على من دهمه من عدوه. فكانوا أوّل من غدر من يهود، و تبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، و تشبث به عبد الله بن أبيّ ابن سلول، و فيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١]، فجمعهم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال لهم: «يا معشر يهود احذروا من الله أن ينزل عليكم مثل ما نزل بقريش من النقمة (أى ببدر)، أسلموا فإنكم قد عرفتم أنى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم و عهد الله تعالى إليكم»، فقالوا: يا محمد إنك تظننا مثل قومك، و لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة، إنّا و الله لو حاربناك لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا. و قد قالوا ذلك لأنهم كانوا أشجع اليهود و أكثرهم أموالا و أشدّهم بغيا، فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [آل عمران: ١٢]، فبينما هم على بغيهم و مجاهرتهم بكفرهم، إذ جاءت امرأة كانت تحت رجل من الأنصار إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ منهم في أمر حليّ لها، فجاء رجل من بنى قينقاع فجلس من ورائها و هى لا تشعر، فحلّ درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت تكشّفت، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فقتل اليهود المسلم، و نبذوا العهد إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فنزل فيهم: وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الأنفال: ٥٨]، فتحصّنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لواؤه كان أبيض بيد حمزة بن عبد المطلب رضى