نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٢ - الاحتفال بالمولد
حيث يقول: «لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب»، هذا مع أن الشهر الّذي ولد فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو ربيع الأوّل هو بعينه الشهر الّذي توفّى فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، و هذا ما علينا أن نقول، و من الله تعالى حسن القبول».
و تعقّبه العلّامة الجلال السيوطى مؤلّف هذا الكتاب في فتاويه، فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب و لا سنة؛ فيقال عليه: نفى العلم لا يلزم منه نفي الوجود، و قد استخرج له العلامة ابن حجر العسقلانى (رحمه الله) أصلا من السنة، و هو ما ثبت في الصحيحين من «أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون و نجّى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فقال: أنا أحق بموسى منكم» [١] فصامه و أمر بصيامه، قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، و يعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، و الشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات، كالسجود و الصيام و التلاوة، و أيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبيّ الرحمة (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك اليوم، و على هذا فينبغى أن يتحرّى الوقت بعينه، فإن كان ولد ليلا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام، و إن كان ولد نهارا (و هو الأصح) فبما يناسبه كالصيام و الصدقة، و لا بد أن يكون ذلك اليوم بعينه من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتّى يطابق قصة موسى (عليه الصلاة و السلام) في يوم عاشوراء. و من لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد في أى يوم من الشهر، بل توسّع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، و فيه ما فيه، و ينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكروا، أما السماع و اللهو و غيرهما، فما كان مباحا لعين السرور بذلك اليوم، فلا بأس به، و ما كان حراما أو مكروها فيمنع، و كذا ما كان خلاف الأولى. ا ه.
فيفهم من ذلك: أن أصل ابتداع عمل المولد الشريف مبنى على قاعدة الشكر، و علي النعمة بإيجاد الذات المحمدية، الواسطة في خيرى الدنيا و الآخرة، فلهذا خالفت هذه السنّة الحسنة اتخاذ يوم عاشوراء مأتما و مظهرا للحزن كما يفعله بعض الأعاجم، لأجل قتل الحسين بن الإمام على رضى الله تعالى عنهما،
[١] و في رواية لأحمد و ابن ماجه و البخارى و مسلم: «نحن أحق بموسى منكم».