نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٢٠ - الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه و صفاته
بعثه للدين أفرا * * * ح و للأعداء ماتم
و له الخاتم ينبي * * * أنّه للرسل خاتم
قال السهيلى: «و الحكمة في وضع خاتم النبوّة على جهة اليسار، أنه لما ملئ قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درّا، فجمع الله تعالى أجزاء النبوّة لسيدنا محمد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و تمّمه و ختم عليه بختمه، فلم تجد نفسه و لا عدوّه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم؛ لأن الشيء المختوم محروس، و كذلك تدبير الله لنا في هذه الدار، إذا وجد أحدنا الشيء بختمه زال الشك و انقطع الخصام فيما بين الآدميين، فلذلك ختم ربّ العالمين في قلبه حتّى يطمئن له القلب الّذي ألقى النور فيه، فظهر بين كتفيه كالبيضة». انتهي.
واسع الجبين، عرقه أطيب ريحا من المسك، و في وجهه تدوير، عظيم الفم، حسن الثغر، رائق الثنايا، فى أسنانه تفليج و تفريق، حلو المنطق، يتكلّم بجوامع الكلم، لا يضحك إلا تبسّما، إذا جلس مع أصحابه- رضى الله عنهم- فكأنما على رءوسهم الطير من حسن تواضعهم بين يديه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أزهر اللون، إذا مشى فكأنما تطوى له الأرض، و في مشيته لا يلتفت وراءه، و إذا التفت التفت جميعا، حسن الوجه، حسن الصوت، خصوصا بتلاوة القرآن العظيم.
و قد جاوز نبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) المرتبة العليا من الفصاحة، فكان أفصح العرب لسانا و أوضحهم بيانا، و أعدلهم نطقا، و أسدّهم لفظا، و أبينهم لهجة، و أقومهم حجة، و أعرفهم بمواقع الخطاب، و أهداهم إلى طرق الصواب، تأييدا إلهيا، و حفظا سمائيّا، و عناية ربانية، و رعاية روحانية، حتى لقد قال [عليّ] رضى الله عنه و سمعه يخاطب وفد بنى نهد: «يا رسول الله نحن بنو أب واحد، و نراك تكلّم وفود العرب بما لا نفهم أكثره»، فقال: «أدّبنى ربى فأحسن تأديبي، و ربيت في بنى سعد» فكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخاطب العرب علي اختلاف شعوبهم و قبائلهم، و تباين بطونهم و أفخاذهم و فصائلهم، كلّ منهم بما يفهمون، و يحادثهم بما يعلمون، و لذلك قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمرت أن أخاطب الناس علي قدر عقولهم» فكأنّ الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بنى أبيه، مما تفرّق و لم يوجد في قاصى العرب و دانيهم.