نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٤ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
قال: «يا أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد (أى يقتصّ) منّي، و من كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منّي، و من أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، و لا يخشي الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني».
ثم نزل و صلّى الظهر، ثم رجع إلي المنبر فعاد إلي مقالته، فادّعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: «ألا إنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة» ثم صلّى علي أصحاب أحد، و استغفر لهم، ثم قال: «إنّ عبدا خيّره اللّه بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر، و قال: فديناك بأنفسنا.
ثم أوصى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالأنصار.
و لما اشتد وجعه قال: «ائتونى بدواة و بيضاء [١] أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا». فقال بعضهم: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد غلبه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. ثم اختلفوا و اختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، و منهم من يقول غير ذلك، فلما كثر اللغو و التنازع قال: «لا ينبغى عند نبيّ تنازع» فذهبوا يعيدون عليه، فقال: «دعوني؛ فما أنا فيه خير مما تدعوننى إليه».
و كان في أيام مرضه يصلى بالناس، و إنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذّن بالصلاة أوّل ما انقطع، قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، فقالت عائشة رضى الله عنها: «إنّ أبا بكر رجل أسيف [٢] (أى رقيق القلب)، و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر» فقال: «مروا أبا بكر أن يصلّى بالناس»، فقالت عائشة لحفصة: «قولى إن أبا بكر رجل أسيف، و إنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر» فقال: «إنكن صواحب يوسف» (أى مثل صاحبة يوسف (عليه الصلاة و السلام) و هى زليخا) أظهرت خلاف ما تبطن، أظهرت للنساء التى جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة، و إنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف (عليه الصلاة و السلام) و يعذرنها في حبه، و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فهم
[١] يقصد: شيئا يكتب فيه العهد الّذي سيعهد فيه للمسلمين.
[٢] كان رضى الله عنه يشمّ من فيه رائحة الشواء من احتراق كبده من خوف الله عز و جل.