نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٧٤ - الهجرة إلى المدينة
الموت، فعوجلوا بالأمن و السلامة من الفوت، و لهذا قيل: ليس في خصال الخير و إن جلّت، و لا في أنواع البر و إن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى.
الهجرة إلى المدينة:
* و لما تمّ أمر البيعة بين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بين أهل المدينة، و بقى أصحابه في ضنك من إيذاء المشركين، شكوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم استأذنوه في الهجرة، فمكث أياما و خرج إلى أصحابه و هو مسرور، و قال: قد أخبرت بدار هجرتكم، ألا و هو يثرب، فمن أراد منكم الخروج فليخرج. فصار القوم يتجهزون و يترافقون، ثم صاروا يرحلون من مكة إرسالا (أى قطائع) سرا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه أعلن بالهجرة و لم يمنعه أحد من المشركين و لا قصده بسوء. فلما قدموا المدينة أنزلهم الأنصار في دورهم و واسوهم، و لم يبق بمكة إلا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر و علي رضى الله عنهما، و كان أبو بكر كثيرا ما يستأذنه في الخروج، فيقول له:
«لا تعجل؛ لعل الله أن يجعل لك صاحبا»، فرجا أبو بكر أن يكون ذلك الصاحب، و ترصّد رفاقته و انتظر صحبته (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و ورد في حق أبى بكر حديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «رحم الله أبا بكر، زوّجنى ابنته، و حملنى إلى دار الهجرة، و صحبنى في الغار، و أعتق بلالا من ماله، و ما نفعنى مال في الإسلام ما نفعنى مال أبى بكر» [١].
و لما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام إظهارا كليّا.
[١] و الحديث بتمامه: «رحم الله أبا بكر: زوّجنى ابنته، و حملنى إلي دار الهجرة، و أعتق بلالا من ماله، و ما نفعنى مال في الإسلام ما نفعنى مال أبى بكر.
رحم الله عمر: يقول الحق و إن كان مرّا، لقد تركه الحق و ما له من صديق، رحم الله عثمان تستحييه الملائكة، و جهّز جيش العسرة، و زاد في مسجدنا حتّى وسعنا.
رحم الله عليّا: اللهم أدر الحق معه حيث دار». (رواه الترمذي عن على)