نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٥ - كفالته عليّا
علي بن أبى طالب مستخفيا من عمه أبى طالب، و من جميع أعمامه و سائر قومه، فيصلّيان الصلوات، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان، فقال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا ابن أخي ما هذا الدين الّذي أراك تدين به؟ قال «أي عمّ هذا دين اللّه و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا إبراهيم، بعثنى اللّه رسولا إلى العباد، و أنت أي عمّ أحقّ من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدي، و أحقّ من أجابنى إليه و أعاننى عليه»، فقال أبو طالب: «أى ابن أخي، إنى لا أستطيع أن أفارق دين آبائي و ما كانوا عليه، و لكن و الله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت».
كفالته عليّا:
و كان مما أنعم اللّه به على عليّ بن أبى طالب رضى اللّه عنه و أراده من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، و كان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للعباس، و كان من أيسر بنى هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، و قد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفّف من عياله؛ اخذ من بنيه رجلا و تأخذ رجلا فنكفيهما عنه»، قال العباس:
نعم. فانطلقا حتّى أتيا أبا طالب فقالا له: إنّا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لى عقيلا فاصنعا ما شئتما، و يقال: «عقيلا و طالبا»، و كان لأبى طالب: عليّ، و جعفر، و عقيل، و طالب، و كان عليّ أصغر من جعفر بعشر سنين، و جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، و عقيل أصغر من طالب بعشر سنين. أسلم منهم عليّ و جعفر و عقيل، و مات طالب على دين قومه. فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليّا فضمه إليه، و أخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل عليّ مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى بعثه اللّه نبيا فاتّبعه و آمن به و صدّقه، و لم يزل جعفر عند العباس حتّى أسلم و استغنى عنه.
* و اختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحى إليه؛ فقيل عشر سنين، و قيل ثلاث عشرة سنة و هو الصحيح، و لعل الّذي قال عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة؛ فإنه بقى ثلاث سنين يسرّها، ثم نزل عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ذلك الأمر بالإعلان، و ذلك في قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فأعلن (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالدعوة، و جاهره قومه بالعداوة و اشتد الأذى عليه و على المسلمين حتّى أذن