نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٠٥ - الفصل الأوّل في ذكر وفاته
من عائشة (رضي الله عنها) أنها تظهر كراهة ذلك، مع محبتها له باطنا، هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ، و المنقول عن عائشة (رضي الله عنها) أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه، حيث قام مقامه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقد جاء عنها (رضي الله عنها) أنها قالت: «ما حملنى علي كثرة مراجعتى له (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، و لا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه» [١]، فصلي بهم ثلاثة أيام في حياة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فوجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض الأيام خفّة، فقام يتهادى بين رجلين، و رجلاه يخطّان في الأرض؛ حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) صوته ذهب يتأخّر، فأومأ إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ألا يتأخر، فجاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى جلس عن يسار أبي بكر، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قاعدا و أبو بكر يصلى قائما، اقتداء بصلاة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الناس يقتدون بصلاة أبى بكر (رضي الله عنه)، فلما فرغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جلسوا قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «معاشر المسلمين؛ ما من نبيّ يموت حتّى يصلّى خلف رجل صالح من أمته» و أن النبي صلّى به رجلان من أمته: عبد الرحمن بن عوف في السفر، و أبو بكر الصدّيق في الحضر.
و أما ما رواه البخارى بإسناده إلي عروة عن أبيه عن عائشة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم، فوجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من نفسه خفّة فخرج إلي المحراب، و كان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله، و الناس يصلّون بصلاة أبى بكر، أى بتكبيره، فهو إنما كان في وقت اخر. و في المواقف أيضا: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) استخلف أبا بكر في الصلاة حال مرضه، و اقتدي به و ما عزله، و لذلك قال عليّ: «قدّمك رسول الله في أمر ديننا، أ فلا نقدمك في أمر دنيانا؟!» [٢].
قال أنس بن مالك (رضي الله عنه): لما مرض النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرضه الّذي مات فيه، اجتمعنا جماعة من الصحابة، و دخلنا عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جلسنا بين يديه و هو نائم علي فراشه، فجلس أبو بكر عند رأسه، و نظر في وجهه و بكي، ففتح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)
[١] هذا هو الصحيح، و الّذي قاله الشيخ أولا معاذ الله أن يكون منها رضى الله عنها؛ و هى الصدّيقة بنت الصديق.
[٢] رد قاطع على الذين يفرّقون بين أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).