نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٠ - الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة و ما فيها من الغزوات
فكان دأبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصفح الجميل، و كان يجعله شكرا للنصر و الظفر، كما قال عند فتح مكة لأهلها، و كانوا قد أخرجوه منها، و هى أحب البقاع إليه: «أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين».
و كان ممن استشهد في أحد: سعد بن الربيع، و أخذ ميراثه أخوه، و كان لسعد بنتان، و كانت امرأته حاملا، و كانت المواريث على مواريث الجاهلية، و لم تكن الفروض نزلت، فنزلت على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حينئذ، فدعا أخا سعد، فقال: أعط ابنتى أخيك ثلثي الميراث، و ادفع إلى زوجته الثمن، و الباقى لك» و لم يورّث الحمل يومئذ، ثم ورّث بعد ذلك.
قال النووى في «الروضة»: إن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد، و ذكر أرباب السير أنه كان في حصار بنى النضير، فى ربيع الأوّل سنة أربع، و لم يباشر (صلّى اللّه عليه و سلّم) القتال في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
و لم يقاتل معه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الملائكة إلا في بدر، و إلا في حنين [١]، قيل: و أحد.
و لم يرم (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالحصباء في وجوه القوم في شيء من الغزوات، إلا في هذه الثلاث، على خلاف في الثالثة.
و لم يجرح: أي لم يصبه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جراحة في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
و لم ينصب (صلّى اللّه عليه و سلّم) المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، و فيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، و لم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب [٢].
[١] من المتفق عليه أن الملائكة لم تقاتل إلا في بدر، و أما في حنين فقد نزلت الملائكة و لكن لم تقاتل.
[٢] الواقع أن الله سبحانه و تعالى أدّب الأمة كلها بهذا الدرس العملى المجيد، و علمها أن مخالفة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه الخطر كل الخطر على المسلمين أنفسهم؛ إذ فيه ضياعهم.
و من المعروف أن الصحابة- (رضوان الله عليهم)- لم و لن و لا يقصدون مخالفة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لكن لما حدث منهم ما حدث- عن طريق التأويل لا القصد- لقنهم الله هذا الدرس العملى تربية لهم و للأمة فيما بعد.
أما من قصد المخالفة من المسلمين من قريب أو بعيد فليعدّ نفسه للدواهي، و ها نحن نرى بأعيننا ما نرى من مغبة هذه المخالفة، نسأل الله الستر و العفو و العافية.