نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٥ - و مندوب إليه
البدعة هي» [١] و ليس ذلك مذموما بمجرد لفظ محدث أو بدعة؛ فإن القرآن باعتبار لفظه و إنزاله وصف بالمحدث أوّل سورة الأنبياء [٢]، و إنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفة السنّة و دعايته إلى الضلالة.
و البدعة من حيث هى منقسمة إلى خمسة أقسام:
واجب:
و هو ما تناولته قواعد الوجوب و أدلّته من الشرع، كتدوين القرآن و الشرائع إذا خيف عليها الضياع؛ فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا، و إهمال ذلك حرام إجماعا، زاد بعض المتأخرين: و من البدع الواجبة علي الكفاية الاشتغال بالعلوم العربية المتوقف عليها فهم الكتاب و السنة، كالنحو و الصرف و المعانى و البيان و اللغة، بخلاف العروض و القوافي و نحوهما، و كالجرح و التعديل، و تمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، و تدوين نحو الفقه و أصوله و آلاته، و الرد على نحو القدرية و الجبرية و المرجئة و المجسمة؛ لأن حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد علي المتعين، كما دلّت عليه القواعد الشرعية، و لا يتأتّى حفظها إلا بذلك، و ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.
و حرام:
و هو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم و أدلته من الشريعة، كالمحدثات من المظالم التى اخترعتها الأهواء بغيا، و لا ينبغى أن تلتبس هذه البدع بالحقوق التى تقرّرها الحكام على الرعايا بمقتضيات الأحوال عند تعطيل أموال الزكاة لإقامة شعائر الممالك. زاد بعضهم من البدع المحرمة: الاشتغال بمذاهب سائر أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السنة و الجماعة.
و مندوب إليه:
و هو ما تناولته قواعد النّدب و أدلته كصلاة التراويح، و إقامة أبّهة الأئمة و القضاة و الحكام، على خلاف ما كان عليه الصحابة (رضوان الله عليهم)، بسبب أن المصالح و المقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، و كان تعظيم الناس في زمن الصحابة (رضوان الله عليهم) إنما هو بالدين و سابق الهجرة، ثم اختل النظام و ذهب ذلك القرن، و حدثت قرون أخر، لا
[١] كان الصحابة يصلّون التراويح متفرقين، كل جماعة اتخذوا لهم إماما يصلّى بهم، فقال: «أراهم اتخذوا القرآن مغاني، و الله لأجمعنهم على إمام واحد»، فلما جمعهم و راهم قال ذلك.
[٢] قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: ٢].