نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٦٣ - الاحتفال بالمولد
فكانت هذه من البدع السيئة، و من عمل الذين- ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- إذ لم يأمر الله سبحانه و لا رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) باتخاذ أيام مصائب الأنبياء و موتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟! و القاصّ الّذي يذكر للناس قصة القتل يوم عاشوراء، و يخرق ثوبه و يكشف رأسه و يأمرهم بالقيام و التشنيع تأسّفا على المصيبة يجب أن يمنع، و المستمعون له لا يعذرون فى الاستماع.
قال الإمام الغزالى و غيره: «يحرم على الواعظ و غيره رواية مقتل الحسين رضى الله عنه، و حكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر و التخاصم، فإنه يهيّج على بغض الصحابة و الطعن فيهم، و هم أعلام الدين الذين تلقّى عنهم أئمة الدين، و تلقينا عنهم، و الطاعن فيهم طاعن في نسبه و دينه».
و قال الإمام الشافعى و جماعة من السلف: «تلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلنطهّر منها ألسنتنا» [١]. انتهي
فليس لاتخاذ يوم عاشوراء مأتما مستند يتخرّج عليه، بخلاف المولد الشريف، فقد فهمت مستنده، بل هو متعدّد، فقد قال الحافظ الجلال السيوطى (رحمه الله):
«و قد ظهر لى تخريجه (يعنى عمل المولد) على أصل اخر (يعنى غير ما ذكره الحافظ ابن حجر) و هو ما أخرجه البيهقى عن أنس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، و العقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الّذي فعله النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين، و تشريع لأمته، كما كان يصلى على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع و إطعام الطعام و نحو ذلك من وجوه القربات و إظهار المسرّات». انتهى.
قال شيخ مشايخنا النّجم الغيطى (رحمه الله): «و ما ذكره الحافظ ابن حجر من التخريج أنسب و أظهر مما ذكره الحافظ الجلال، كما هو الظاهر؛ لأن فعل صوم عاشوراء يتكرر كل عام، و هو في وقت معين، فكان عمل المولد المذكور مثله، بخلاف العقيقة فإنها لا تتكرر، و ليست مختصه بوقت معين، و لا تتقدم عليه و لا
[١] و قال ذلك عمر بن عبد العزيز (رحمه الله).