نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٧١ - * و أما النساء الست اللاتى أهدر النبي
و لما فرغ (صلّى اللّه عليه و سلّم) من حنين بعث عبيدا [أبا عامر الأشعري] لغزوة أوطاس لطلب دريد بن الصمة و أصحابه، فهزمهم و قتلهم، و استشهد أبو عامر رضى الله عنه بعد قتله جماعة منهم، و كان في السبى الشيماء أخته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرضاعة، و اسمها «حذافة»، و إنما غلب لقبها، فلا تعرف في قومها إلا به [١].
و لما هزم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هوازن، و أمر بطلبهم، قال لجيشه: «إن قدرتم على بجاد- رجل من بنى سعد- فلا يفلتنّ منكم»، فأخذته الخيل و ضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث (و يكني أبا ذؤيب كما يكنى بأبى كبشة) أخت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أتبعوهم فى السباق، و تعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: و الله أخت صاحبكم، فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار، و كانوا أشدّ الناس على هوازن، فأتوا بها إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالت: يا محمد إنى أختك، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): و ما علامة ذلك؟ فأرته عضة بإبهامها، و قالت: هذه عضضتنيها و أنا متوركة بوادى السدر و نحن يومئذ نرعى بهم أبيك و أبي، و أمك و أمي، و تذكّر يا رسول الله حلابى لك عنز أبيك. فعرف رسول الله العلامة فوثب قائما فبسط رداءه، ثم قال: اجلسى عليه، و رحّب بها، و دمعت عيناه، و سألها عن أمه و أبيه فأخبرته بموتهما [٢] ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّبة مكرّمة، و إن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك و رجعت إلى قومك» قالت: بل أرجع إلى قومى. فأسلمت و أعطاها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاثة أعبد و جارية، و أمر لها ببعير أو بعيرين، و سألها من بقى منهم، فأخبرته بأخيها و أختها و بعمها، و أخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال: «ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضى إلى الطائف». فرجعت إلى الجعرانة،
[١] و اسمها حذافة (بالحاء المهملة)، و يقال: جذافة (بالجيم و الذال المعجمتين) بنت الحارث، و لقبها «الشيماء» أو الشمّاء، و قد أكرمها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين جاءت مسلمة، فهي أخت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرضاعة، و صحابية جليلة رضى الله عنها.
[٢] كون أبيه و أمه من الرضاعة ماتا قبل ذلك غير صحيح؛ لأن حليمة السعدية رضى الله عنها (أمّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الرضاع) جاءت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم حنين أيضا فقام لها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بسط لها رداءه، و أسلمت. و روى حديث الرضاعة عنها: أبو يعلي، و ابن حبان في صحيحه، و في «السيرة الكبرى» لابن إسحاق، و رواه أبو داود، و ابن منده و غيرهم، و صرّحوا فيه برواية عبد الله بن جعفر عنها، و أبوه من الرضاع أيضا أسلم بعد انتقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أسلم و حسن إسلامه.