نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٠٤ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
* و في هذه الغزوة كانت قصة حديث الإفك في عائشة رضى الله عنها، و هي مشهورة في كتب السير و التفاسير، و يروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أقبل من سفره حتّى إذا كان قريبا من المدينة، و كان معه عائشة رضى الله تعالى عنها في سفره ذلك، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، و قد برّأ الله عائشة أم المؤمنين في كتابه الكريم في عدة آيات أولها: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلي قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: من ١١: ٢٦].
قال أبو الفرج بن الجوزي: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد تزوج أوّل نسائه خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم صفية، ثم ميمونة، فلما كان في واجب القسمة يحتاج إلى مراعاة الوقت، و خاطره الكريم (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا يحتمل، جاءه التخفيف بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] و لم يكن عنده (صلّى اللّه عليه و سلّم) اثر من عائشة رضى الله عنها، و لا أعلى منزلة [١] منها ا. ه.
و جعله عائشة بعد خديجة بدون فاصل هو أحد الأقوال؛ فإن بعضهم يقول:
إنه تزوج بسودة بن زمعة رضى الله عنها، و دخل عليها في مكة، و عقد عقده بعائشة رضى الله عنها بمكة، و لم يدخل بها إلا في المدينة [٢] فلعل القائل بأنها بعد خديجة في العقد لا في الدخول، و حسبك من فضل عائشة رضى الله عنها أمور من أعظمها أنه قد أنزل الله القرآن الحكيم ببراءتها و تشريفها ا. ه.
و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) استشار الصحابة في ذلك فقال علي: «غيرها من النساء كثير» [٣] و قال عمر: من زوّجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أ فتظن أن ربك
[١] لأنها الصدّيقة بنت الصدّيق رضى الله عنهما.
[٢] إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدخل في مكة على أحد نسائه بعد خديجة رضى الله عنها، و قول بعضهم هذا لا دليل عليه.
[٣] أما سيدنا علي رضى الله عنه و كرم الله وجهه فإنما أراد أن يخفف عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعض ما يجد. لا طعنا في أم المؤمنين رضى الله عنها، و حاشاه أن ينوى ذلك. و كيف يطعن، و هي من خاصة قريش: حسبا و نسبا- يعني من أهله و عشيرته- و أبوها أحب الناس إلي رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أما ما قيل غير ذلك أو ما يدور حوله، فهو محض افتراء و كذب، و الله المستعان علي ما يصفون.