نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٢ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
قال الشيخ زاده عند قوله فيما تقدم «و قيل تَمَنَّى قرأ، كقول حسان ...» إلخ.
«إن التمنّى في اللغة بمعنيين: تمنّى القلب، و القراءة، قال اللّه تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ [البقرة: ٧٨]، أى إلا قراءة، لأن الأمى لا يعلم القرآن من المصحف، و إنما يعلمه قراءة، و قال رواة اللغة: الأمنية القراءة، و احتجوا عليه ببيت حسان رضى اللّه عنه:* تمنّى كتاب اللّه أوّل ليلة*
و قيل: الأولى في تأويل الآية أن يقال: التمنى بمعنى القراءة، فقوله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] أى عند تلاوته القرآن في قلوب المشركين ما يجادلون به الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يحاجّون به و يوقعون به شبهة في قلوب أتباعه ليمنعوهم عن اتّباعه كقولهم عند سماع قول الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم): «حرّم عليكم الميتة» إنه يحل ذبيحة نفسه و يحرّم ذبيحة اللّه تعالى. فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فى قلوب المشركين بإنزال قوله: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] و قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١١٨] فبيّن به أنّ ما أحلّ هذا بذكر اسم اللّه عليه، و حرّم الآخر بعدم ذكر اسم اللّه عليه، و كقولهم عند سماع إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]: إنّ عيسى (عليه الصلاة و السلام) و الملائكة عبدوا من دون اللّه تعالى مع أنه تعالى لا يخزيهم يوم القيامة، فنسخ قولهم هذا بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] فبين اللّه تعالى استثناء عيسى و الملائكة من قوله: وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ و ذلك لأن «ما» لغير العاقل، و أن المراد الأصنام فقط، انتهى (عبارة الشيخ زاده).
و هذا زبدة ما قيل في قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ .. إلى آخره.
و قد سبق أنّ من جملة المنكرين قصة ما في «النجم» القاضى عياض، فإنه قال: [هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل، و إنما أولع به المفسرون و المؤرخون] [١]. انتهى.
و لا ينظر لردّ ابن حجر على القاضى عياض بأنه لا فائدة فيما قاله، و لا
[١] انظر هامش ٢ ص ٨٦.