نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٩ - طهارة مولده و شرفه
و قوله «حلالك» قال الخشني: بكسر الحاء المهملة جمع حلة و هي جماعة البيوت، و الّذي في النهاية «الحلال» بالكسر: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم، و قوله «و محالهم» بكسر الميم: القوة و الشدة، و قوله «غدوا» بالغين المعجمة: هو أصل الغد، و هو اليوم الّذي يأتى بعد يومك، فحذفت لامه، و لم يستعمل تامّا إلا في الشعر، و لم يرد عبد المطلب الغد بعينه، و إنما أراد القريب من الزمان.
و لا يشكل علي ذلك قصة الذبيح؛ فإنّ النذر لا يقتضي عدم الإيمان، و لا عدم نجاة أهل الفترة، و كذلك إرادة الذبح عند الأصنام الموجودة في الكعبة، فإنّ هذه محض عوائد لا عقائد، كما سيأتى ذكره.
و بيانها أن عبد المطلب لما أراد حفر زمزم منعته قريش منه، و اذاه بعض سفهائهم، و لم يكن له ولد إلا الحارث، فنذر لئن جاء له عشرة بنين و صاروا له أعوانا ليذبحن أحدهم قربانا لله تعالى عند الكعبة.
و قيل: سبب ذلك إنّ عدى بن نوفل بن عبد مناف (أبو المطعم) قال: يا عبد المطلب أ تستطيل علينا و أنت فذّ لا ولد لك؟! فقال عبد المطلب: أ تقول هذا، و إنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم! فقال عدي: فأنت أيضا كنت عند أخوالك من بنى النجار حتّى ردّك عمك المطلب، قال: أبا لقلة تعيّرنى!؟ فو الله لئن اتانى الله عشرة من الولد ... إلى آخره.
و احتفر عبد المطلب زمزم هو و الحارث، فكانت له فخرا و عزّا، و كثر أولاده.
و اختلف في عدد أولاد عبد المطلب؛ فقيل: ثلاثة عشر، و قيل اثنا عشر، و قيل عشرة، و قيل تسعة. فمن قال ثلاثة عشر، قال هم: الحارث، و أبو طالب، و الزبير، و عبد الكعبة، و حمزة، و العباس، و المقوّم، و حجل، و ضرار، و قثم، و أبو لهب، و الغيداق، فهؤلاء اثنا عشر، و عبد الله أبو النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثالث عشر.
و من جعلهم عشرة: أسقط عبد الكعبة و قال: هو المقوّم، و جعل الغيداق و حجلا و ضرارا واحدا، و من جعلهم تسعة أسقط قثم أيضا، و قد أسلم حمزة و العباس، و أن أبا لهب و أبا طالب أدركا النبوة فمات أبو لهب على دين قومه، و ذهب الأكثرون إلى أن أبا طالب مات أيضا علي دين قومه.