نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٥ - رضاعه
عيناه، و قال لها: «إن أحببت فأقيمى عندى مكرمة محبّبة، و إن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك». قالت: بل أرجع إلى قومي. فأسلمت [١]، و أعطاها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جارية و غلاما اسمه مكحول، فزوجت الجارية من الغلام، و كانت تحضنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ترقصه و تقول:
هذا أخ لى لم تلده أمى * * * فديته من مخول معم
فأنمه اللهمّ فيما تنمي
* * *
و لعل هذا الرجز مصطنع بعد، أو كان مما يرقّص به الأطفال في ذلك الزمن. و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرض على كثير من النساء فلم يرضين رضاعه ليتمه و فقره؛ و يقلن: ما ذا عسى أن يكون من أمه و جدّه إلينا لله إنما يكون الإحسان من الأب. فأخذته حليمة السعدية، و قالت: لعل الله أن يجعل لنا فيه البركة. فحقق الله رجاءها. و اليتم و الفقر نقص في حق الخلق؛ فلما صار محمد (عليه الصلاة و السلام) مع هذين الوصفين أكرم الخلق، كان ذلك قلبا للعادة، فكان من جنس المعجزات، و قد قيل لجعفر الصادق: لم يتم (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق، و أيضا لينظر (صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا وصل إلى مدارع [٢] عزه لأوائل أمره، ليعلم أن العزيز من أعزّه الله تعالى: و أنّ قوّته ليست من الآباء و الأمهات، و لا من المال، بل قوّته من الله تعالى، و أيضا ليرحم الفقراء و الأيتام، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ارحموا اليتامى، و أكرموا الغرباء؛ فإني كنت في الصغر يتيما و في الكبر غريبا» [٣].
[١] انظر ترجمتها في «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر؛ قال: و ذكر محمد بن المعلى الأزدى في كتاب الترقيص قال: و قالت الشيماء ترقّص النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو صغير:
يا ربنا أبق لنا محمدا * * * حتى أراه يافعا و أمردا
ثم أراه سيدا مسوّدا * * * و اكبتأعاديه معا و الحسّدا
و أعطه عزا يدوم أبّدا
قال: فكان أبو عروة الأزدى إذا أنشد هذا البيت يقول: «ما أحسن ما أجاب الله دعاءها» ا ه. من الإصابة.
[٢] مدارع عزه: منتهاه.
[٣] قال ابن حجر الهيتمى المكى المتوفى سنة ٩٧٤ ه بعد ذكر جملة من الأحاديث منها هذا الحديث: «ارحموا اليتامى ...» الخ قال: «هذه الأحاديث كلها كذب موضوعة، لا يحل رواية شيء منها إلا لبيان أنها كذب مفترى على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، كما أفاد ذلك الحافظ السيوطى شكر الله سعيه» انتهي. من الفتاوى الحديثية ص ١٧٤ طبع الحلبى.