نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٠ - رضاعه
* و على ذكر الطاعون؛ فقد ورد النهى عن دخول بلد فيها الطاعون؛ لأن الدخول إلى موضع النّقم تعرّض للهلكة، فالمقام بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن للقلب، فليتأدب الشخص بأدب الحكمة، و هى الفرار من الهلاك و لا يعارضها بالقدر الّذي تضمنته آية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا (٥١) [التوبة: ٥١].
و لهذا قال عمر لأبى عبيدة رضى الله عنهما حين قال: أ تفرّ من قدر الله!؟:
يا أبا عبيدة، لو غيرك قالها!؟ جواب الشرط محذوف يدل عليه السياق [١]: ...
نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
و لما رمى أبو لهب بالعدسة تباعد عنه بنوه، فبقى ثلاثا لا تقرب جنازته و لا يدفن، فلما خافوا السبّة دفعوه بعود في حفرته، ثم قذفوه بالحجارة من بعد حتّى واروه. و ذكر أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه غطت وجهها.
و له من الولد ثلاثة: عتبة، و عتيبة، و معتب، و من الإناث: درة، و سبيعة، أسلم منهم اثنان يوم فتح مكة و لم يهاجرا من مكة حتّى ماتا و لهما بها عقب. و درة و سبيعة أسلمتا، و كان عتبة و معتب قد هربا من الإسلام، فأرسل إليهما عمهما العباس، فقدما و أسلما، فسر بذلك (عليه السلام)، و شهدا معه حنينا و الطائف. و أما عتيبة فإنه لما أسلمت أم كلثوم ابنة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فارقها، و قال: يا محمد فارقت ابنتك و تركت دينك، فلا تحب لى خيرا أبدا. فدعا عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه، فخرج إلى الشام تاجرا، فلما كان في بعض الطريق جاءه الأسد ففزع و قال: أ ترى ابن أبي كبشه [٢] قاتلى و هو بمكة و أنا بالشام! فأدخله أصحابه بينهم و توسّطوا به جميعهم، فلما كان في بعض الليل أتاهم الأسد فتعدّاهم رجلا رجلا، حتى أتى إليه فشدخه من بينهم، و فيه قال حسان:
من يرجع العام إلي أهله * * * فما أكيل السبع بالراجع
و أما أبوهما أبو لهب، و أمهما أم جميل، حمّالة الحطب، فيكفيهما ما أنزل الله
[١] السياق يقتضي «لقبلته منه» أو «لعاقبته».
[٢] اسم كان يطلقه مشركو مكة علي الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أصله أن أبا كبشه رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان و عبد كوكبا يدعى الشعري. فسمى المشركون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهذا الاسم تشبيها به.
انظر اللسان (٥: ١٨١٢).