نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٥٢ - رضاعه
بكر بن هوازن، فلم يبق منهن امرأة إلا و قد عرض المبارك عليها فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم، ثم أخذته هي [١] إذ لم تجد غيره، فرأته مدرجا في ثوب صوف أبيض يفوح منه المسك، و كان راقدا على قفاه، فهابت أن توقظه، فوضعت يدها على صدره فتبسّم ضاحكا، و فتح عينيه فقبّلته و أعطته ثديها الأيمن فقبله، و حوّلته إلى الأيسر فأبي؛ لأن الله ألهمه العدل و أعلمه أن له شريكا هو ابنها فترك له ثديها الأيسر، و كانت هى و ناقتها في أشد الجوع و الهزال و عدم اللبن، فبمجرد أن وضعته في حجرها أقبل (أى درّ عليه) ثديها فروى و روى أخوه، و درت ناقتهم فأشبعتهم تلك الليلة لبنا، فلمّا أصبحت ودّعت أمه آمنة و ركبت أتانها، فلما خرجت مع قومها سبقت أتانها الكلّ بعد أن كانت لا تنهض بها، فأنكر صويحباتها أنها هي، فلمّا علمنها قلن: إن لها شأنا عظيما. و لما وصلوا منازلهم كانت أجدب أرض الله، فكانت غنم حليمة ترجع ملاى، بخلاف غنمهم، مع أنها كلها بمحلّ واحد، فللّه درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة و نمت و ارتفع قدرها به و سمت، و لم تزل حليمة تتعرف الخير و السعادة، و تفوز منه بالحسنى و زيادة، و قيل:
لقد بلغت بالهاشميّ حليمة * * * مقاما علا في ذروة العز و المجد
و زادت مواشيها و أخصب ربعها * * * و قد عمّ هذا السعد كلّ بني سعد
و لا يخفى أن قدوم نساء بنى سعد للرضعاء إنما كان لطلب الأجر على الرضاع.
قال السهيلى (رحمه الله تعالى): و التماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر العرب، حتى جرى المثل «تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها» [٢] أى و لا
[١] حديث الرضاعة حديث مشهور، روته أغلب كتب السنة، منها أبو يعلي، و ابن حبان في صحيحه.
[٢] قال الميدانى في مجمع الأمثال بعد كلام و قصة طويلة: «... ثم ارتحل بها (أى بالزباء بنت علقمة بن خصفة الطائي)، و هى من أجمل بنات العرب آنذاك- إلى قومه؛ فبينما هو ذات يوم جالس- أى زوجها الحارث بن سليل؛ و كانوا قد زوّجوها له و هى كارهة؛ لأنه رجل مسنّ- و هى إلى جانبه، إذ أقبل إليه شباب يعتلجون؛ فتنفست صعداء، ثم أرخت عينيها بالبكاء، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: ما لى و للشيوخ الناهضين كالفروخ! فقال لها: ثكلتك أمك «تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها». فذهبت مثلا ا ه. ملخصا من مجمع الأمثال.