نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣١٠ - الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة و ما فيها من الغزوات
بالنزول، فقالوا: ننزل علي غير ماء! و وقع من معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) نبع الماء في ذلك المكان حتّى صدر الناس عنه، و تأهبت قريش للقتال، و بعثوا رسولهم «عروة بن مسعود الثقفي» سيد أهل الطائف رضى الله عنه- فإنه أسلم بعد ذلك- إلي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: إن قريشا لبسوا جلود النمور (أى أظهروا العداوة و الحقد) و قد نزلوا بذي طوي [١] و عاهدوا الله ألا تدخل عليهم مكة عنوة أبدا». ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يكلمه، و هذه عادة العرب: أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، و في الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنما لم يمنعه من ذلك استمالة و تأليفا له، و كان المغيرة بن شعبة قائما علي رأس رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه السيف، و عليه المغفر، و كلما أهوى عروة بيده إلي لحية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضرب يده بنصل السيف، و يقول «كفّ يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك» فإنه لا ينبغى لمشرك ذلك، و إنما فعل ذلك المغيرة رضى الله عنه إجلالا لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لم ينظر لما هو عادة العرب، فلما أكثر عليه غضب عروة، و قال: «ويحك ما أفظّك و أغلظك»، فتبسم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. ثم قام عروة من عنده و هو يرى ما يصنع أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، و لا سقط من شعره شيء إلا أخذوه، و إذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، و لا يحدّون النظر إليه تعظيما له، فرجع عروة إلي قريش، و قال لهم: إنى جئت كسرى و قيصر في ملكهما، فو الله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه.
و ورد أيضا في حديث الحديبية أنه لما نزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) علي الركية [٢] جاءه بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: «تركت كعب بن لؤى و عامر بن لؤى نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل [٣] و هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت».
[١] ذو طوي: موضع عند مكة (و قيل بالفتح، و قيل بالكسر، و منهم من يضمها) واد بمكة، قيل: هو الأبطح «كذا في المراصد».
[٢] الركية: البئر، جمعها ركيّ، و ركايا.
[٣] العوذ: الحديثات النتاج من الظباء و كل أنثى. و المطافيل: جمع مطفل، و هى ذات الطفل من الإنس و الوحش و غيرهما.