نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٦٦ - غزوة بنى النضير
إلى خيبر على أنّ لهم ثلث ما حملت الإبل من أموالهم، إلا السلاح، و لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) نخلهم و أرضهم، فأجابهم إليه، فخرجوا و معهم الدفوف و المزامير تجلدا، فمضى من بنى النضير إلى خيبر ناس، و ناس إلى الشام، و بقيت أموالهم فيئا لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالصة له دون المسلمين؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل و لا ركاب، يقسّمها كيف شاء و حيث شاء، إلا سهل بن حنيف و أبا دجانة فذكرا فقرا فأعطاهما منه شيئا.
و يروى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما ظهر على أموال بنى النضير، قال للأنصار: «إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسّمت هذه الأموال بينكم و بينهم جميعا، و إن شئتم أمسكتم أموالكم، فقسمت هذه فيهم»، قال السعدان (سعد بن معاذ و سعد بن عبادة): «بل اقسم هذه فيهم، و اقسم لهم من أموالنا ما شئت» فقال بقية الأنصار مثل ذلك تبعا للسعدين، ففرح (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: «اللهم ارحم الأنصار، و أبناء الأنصار، و أبناء أبناء الأنصار» [١]. فأنزل الله فيهم قوله تعالى:
وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [٢]، أى فاقة و حاجة إلى ما يؤثرون، فلهذا قسم (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأموال على المهاجرين بحسب ما اقتضته المصلحة، فعيّن لأبى بكر، و عبد الرحمن بن عوف، و صهيب، و أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ضياعا معروفة، و من الأنصار أعطى سهل بن حنيف، و أبا دجانة شيئا لفقرهما.
و في بنى النضير نزلت سورة الحشر [٣] التى سمّاها ابن عباس- رضى الله عنه- «سورة النضير» كما رواه سعد بن جبير.
و في سنة أربع قصرت الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، و هذا مبنيّ على أن هذه الصلاة أربعة تامة، ثم قصرت في السفر، و قيل إنها فرضت في الحضر أربعا، و في السفر ركعتين، و هو قول ابن عباس- رضى الله عنه- قال:
فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، و في السفر ركعتين- رواه مسلم و غيره- كذا في «المواهب اللدنية».
[١] رواه ابن ماجه عن عمرو بن عوف بلفظ «رحم ا (الأنصار» بدل «اللهم ارحم الأنصار».
[٢] الحشر: ٩.
[٣] هي السورة التاسعة و الخمسون في ترتيب المصحف، و آياتها ٢٤ آية.