نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٤٤٢ - كيفية نزول القرآن
قد انقضت معجزات الرسل منذ قضوا * * * نحبا و أفحم منه ذلك الجيل
و معجزات رسول الله باقية * * * محفوظة ما لها في الدهر تحويل
تكفّل الله هذا الذّكر يحفظكم * * * فلن يضيع الّذي بالله مكفول
هذي المفاخر، لا تحظي الملوك بها * * * الملك منقطع، و الوحى موصول
[كيفية نزول القرآن]:
و أنزل الله القرآن كله إلى السماء الدنيا جملة، ثم فرّقه في ثلاث و عشرين سنة مدة الوحى، بمكة ثلاث عشرة سنة، و بالمدينة عشر سنين، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الآية لأمر يحدث، و يخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بموضعها من القرآن، و على هذا الترتيب كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، و عرضه عليه في السنة التى توفى فيها مرتين. و ما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الّذي وقع عليه ترتيب المصحف العثماني، و أمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود، و مصحف أبيّ بن كعب من الترتيب و القراءات، و زيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة و كتب في المصحف العثماني، و لم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة، و لا ما استقرّ عليه الأمر، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم.
فإن قيل: نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو بعدها؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين، و استظهر هو الأوّل، و الجلال السيوطى الثانى، قال:
و الآثار صريح سياقها فيه، و ربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية، فإن قيل: فما السر في نزوله منجّما؟ و هلّا نزل كسائر الكتب جملة؟ أجيب: هذا سؤال تولّى الله جوابه، فقال تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله كَذلِكَ أي أنزلناه مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢] أى لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب و أشد عناية بالمرسل إليه، و يستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه و تجديد العهد به و بما معه من