نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٣٤ - طهارة مولده و شرفه
و على كل حال فالحذر كل الحذر من ذكر أبوي النبي) بما فيه نقص؛ فإن ذلك قد يؤذى النبي)؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه تأذّى ولده بذلك عند المخاطبة، كيف و قد روى ابن منده و غيره عن أبى هريرة قال: «جاءت سبيعة بنت أبى لهب إلى النبي) فقالت: يا رسول الله إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار. فقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو مغضب، فقال: ما بال أقوام يؤذوننى في قرابتي، و من اذانى فقد اذى الله!» و قد قال (عليه الصلاة و السلام): «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات» [١] و لا ريب أن إيذاءه كفر، يقتل فاعله إن لم يتب، خصوصا و أن أبويه، ناجيان [٢] لأنهما من أهل الفترة، و أهل الفترة ناجون و لو عبدوا الأصنام، إلا أفرادا علم الله فيهم أمرا فحكم عليهم بالكفر كحاتم الطائي [٣] و امرئ القيس. (و الفترة ما بين عيسى و محمد (عليهما الصلاة و السلام))، و قد دلّت القواطع على أنه لا تعذيب حتّى تقوم الحجة لقوله تعالى:
وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] أو بإحيائهما له عام حجة الوداع حتّى آمنا بالله و رسوله. و نفع الإيمان بعد الموت من خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ليس بممتنع عقلا و شرعا؛ فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل،
[١] و قال (عليه الصلاة و السلام): «لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء؛ إن البذاء لؤم» (رواه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق، عن أم سلمة).
[٢] و قد نظرت أمه إليه عند موتها و هو عند رأسها. ثم قالت:
بارك الله فيك من غلام * * * يا ابن الّذي من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلّام * * * فودى غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام * * * إن صحّ ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام * * * من عند ذى الجلال و الإكرام
تبعث في الحلّ و في الحرام * * * تبعث بالتوحيد و الإسلام
دين أبيك البر إبراهام * * * فالله أنهاك عن الأصنام
ألا تواليها مع الأقوام
* * *
ثم قالت: «كل حي ميت، و كل جديد إلى بلي، و كل كبير يفني، و أنا ميتة و ذكري باق، و قد تركت خيرا، و ولدت طهرا، ثم ماتت. رواه أبو نعيم ا ه. من (موكب ربيع للحلواني ص ١٥٤) و هذا خبر ثابت في كل كتب السير.
أ ليس هذا هو الإسلام بعينه؟
[٣] لا نعرف للمؤلف مصدرا في ذلك.